الغروب في رام الله المحتلة
... أرحب بكم في مدونة أطياف متمردة وصباحات الوطن...
| ► | تموز 2009 | ◄ | ||||
| سبت | أحد | إثنين | ثلاثاء | أربعاء | خميس | جمعة |
| 1 | 2 | 3 | ||||
| 4 | 5 | 6 | 7 | 8 | 9 | 10 |
| 11 | 12 | 13 | 14 | 15 | 16 | 17 |
| 18 | 19 | 20 | 21 | 22 | 23 | 24 |
| 25 | 26 | 27 | 28 | 29 | 30 | 31 |

الغروب في رام الله المحتلة
مفتوح.. مغلق
بقلم: زياد جيوسي
(عمر الأسى ما انتسى وأنتوا أساكوا زاد، كانت فلسطين الحمامة وكنتم الصياد)، لا أعرف لماذا قفزت هذه الأهزوجة إلى ذهني وأنا أشاهد للمرّة الثانية فيلم (مفتوح.. مغلق) للمخرجة الفلسطينيّة ليانة بدر، ففي المرّة الأولى الّتي شاهدت عرض الفيلم في مسرح وسينماتيك القصبة كنت أعاني من عدم قدرتي على مغادرة مدينة رام الله منذ سنوات طويلة بإجراءات احتلاليّة، والمغامرة بالخروج في ظلّ حجْر أمنيّ على هويتي كانت تعني بدرجة كبيرة احتماليّة الاعتقال والإبعاد عن الوطن. وحين تابعت الفيلم خرجت بانطباعات مختلفة المشاعر، ففيه شاهدت معاناة أخرى لأبناء وطني، وشاهدت بلدتي جيّوس المحروم منها ومن معانقة ترابها وزيتونها، وشعرت كم يعمل الاحتلال على تمزيق الوطن وتحويله إلى قطع مشرذمة لا يمكن التواصل بينها، مصادرة الأرض وتدمير الرّوح ومصادر الرّزق، هدر الدّم بلا سبب والعمل على تهجير المواطن المتشبّث بأرضه وتاريخه، تشويه الطّفولة في روح الأطفال، مقاومة الشّعب وصموده وحيدًا في ظلّ عدم وجود من يقف إلى جانبه.
وحينما شاهدت الفيلم ثانية؛ لم تقلّ درجة الألم رغم أنّي كنت قد نلت هويّتي وتمكّنت أن أغادر رام الله، أن أجول في العديد من المناطق الّتي صورها الفيلم، أعايش وأشهد بنفسي المعاناة الّتي يعيشها المواطن، صلبت ساعات على الحواجز تحت ظلّ الشّمس الحارقة والبرد القارص، فأصبح إحساسي بمعاناة الفلسطينيّ كما صورتها ليانة بدر وعبّرت عنها، إحساسا مضاعفًا بالألم.
(مفتوح.. مغلق) عنوان لفيلم يعبّر عن واقع، واختيار الاسم كان تعبيرًا دقيقًا عن معاناة الفلسطينيّ على بوّابات الدّخول والخروج الّتي اخترعها الاحتلال استكمالاً لبوّابات السّجون والمعتقلات. فهذه البوّابات لا تفتح إلاّ بمواعيد محدّدة للعبور وبتصاريح من الاحتلال؛ معرّضة للإغلاق في كثير من الأحيان، ويتحكم الاحتلال بمن يمنحه التّصريح للعبور، ويستغلّ ذلك أبشع استغلال أثناء المواسم الزّراعيّة كموسم الحمضيّات وموسم قطاف الزّيتون. فقد يمنح فردًا واحدًا من الأسرة التّصريح ويحجبه عن بقيّة الأسرة، ممّا يؤدّي إلى ضرب الموسم الزراعي بأكمله، إضافة للتّحكّم بعدد ساعات البقاء في الأرض خلف الجدار، بما لا يسمح بإنجاز أيّ عمل إلاّ القليل، ولو كان المزارع بحاجة لمسألة لا تحتاج وقتًا يجبَر على البقاء لساعات طوال.
لجأت المخرجة إلى أسلوب تقسيم الفيلم إلى أجزاء تدور حول محور واحد، هو المعاناة والتّشبّث والمقاومة، فكان الفيلم من عدّة أجزاء كل منها يح
مبنى من مباني رام الله التراثية
بعدسة: زياد جيوسي

صباحكم أجمل / همسات
بغداد 1
بقلم: زياد جيوسي
يجاذبني هوى رام الله بقوة هذا الصباح، فأخرج من صومعتي رغم حرارة الجو غير المعتادة أجول في دروبها وشوارعها، في شارع النـزهة حيث الأشجار القديمة العمر التي تروي حكايات وحكايات، البنايات التي ما زالت تحافظ على إرث رام الله منذ طفولتنا ولم يلتهمها غول العمران الحديث إلا في بعض النواحي، ومن هناك إلى شارع البريد أرقب أشجاره القديمة الجميلة، تشدني قرب مدرسة رام الله للبنات شجرتان متقابلتان بلونين جميلين، أصفر غامق وأزرق نهدي جميل، تتساقط أوراقهما حول الجذوع، فأرى الشارع قد تحول إلى سجادة بديعة منقوشة، وكأن الشجرتين في كل مساء تنـزعان ملابس النهار وترتديان ملابس النوم.
منذ عودتي في بداية الشهر من عمّان الهوى وأمسيات رام الله الجميلة تشدني، فالمدينة لا تكاد تخلو كل مساء من نشاط فني أو أدبي، مما يعطي للمدينة نكهة خاصة للمهتمين والمتابعين، وتجعل الأمسيات مع النسمات الناعمة تزداد بهجة وفرح رغم عتمة الاحتلال وبشاعته، ورغم حجم المشكلات الداخلية التي تطيل في عمر الاحتلال والغلاء الفاحش الذي سيطر على الحياة وأرهق القدرات المالية للمواطنين.
تزداد رام الله جمالا يوماً بعد يوم، يزداد عشقي لها فتهمس لي: أخشى عليك من عشقي وحبي، فأبتسم وأهمس لها: لا تخشي عليّ من الحب، فهو الذي يسري في روحي وفي شرايين دمي، وقصة حبنا التي تمتد عبر عصور لا يمكنها إلا أن تستمر، فلقاؤنا بعد طول رحلة البحث والغياب أشعل الحب الذي لم يتوقف من جديد، فأصبحت رام الله في قلبي برعم ياسمين عطري جميل، لا يتوقف عن بث طيبه وجماله في روحي رغم قسوة الحب أحياناً.
منذ أن كتبت سلسلة حلقات من صباحكم أجمل عن القاهرة وزيارتي لها لم أكتب من جديد صباحات أخرى، فقد شدتني المعارض الفنية والنصوص الأدبية للكتابة عنها، إضافة لانشغالي بكتابي فضاءات قزح الذي سيصدر عن دار فضاءات في عمّان قريباً، والاستعداد لإصدار كتابي أطياف متمردة والذي يحوي بعض من نصوص باحت بها روحي عبر سنوات طويلة، ولم أنشر منها إلا القليل، فقد كنت أنتظر أن تأتي ملكة سبأ لتفتح القمقم وتنثر الأطياف في فضاء الكون، لكني في هذا الصباح الحار النسمات وشوق ينازعني بقوة بين رام الله وعمّان، تعيدني الذاكرة لفترة أوائل السبعينات
شغف
بقلم: زياد جيّوسي
هي المرّة الثّانية الّتي يتاح لي فيها التّحليق في معرض لفنان غير عربيّ؛ المرّة الأولى لفنّانة أوروبيّة في مركز خليل السّكاكيني في رام الله، الذي كان ولم يزل حاضنة الثّقافة والفنّ هناك، والثّاني في رحاب قاعة مركز رؤى في عمّان، هذا المركز الّذي أصبح لا يفارق زياراتي لعمان في رحلة التّجوال والوطن، لأكون في زيارتي الأخيرة على موعد تحليق في عالم من الفرح مع "شغف" الفنان خوزيه فنتورا.
الفنّان خوزيه يحلّق في "شغف" بتميّز وفرح، وهو معرضه الأوّل في بلد عربيّ، فالفنّان الكندي الجنسيّة السّلفادوريّ المولد والأصل والفنّ والملامح، يحلّق في فضاء رؤى عمّان، حاملاً معه ألوان الحياة والجمال، الفرح والمرح وسهر الليالي وأحلام العاشقين، يحمل لنا فرحه وأحلامه بالرّيشة واللون، ليحملنا على أجنحة من جمال وحبّ وفرح إلى عوالمه وترحاله.
خوسيه فنتورا ولد في السّلفادور وعاش بها، عمل في الرّسم بأشكاله- فهو فنّان ومحترف؛ رسم اللوحة والسّيراميك، وعمل بفنّ الزّجاج المعشّق في الكنائس أيضًا. ولعلّ عمله في دور العبادة وزجاجها لعب دورًا كبيرًا في خلق روح الفرح والحبّ والتّأمّل في فنّه، فكان ما تأمّلته من أعماله في رؤى عمّان حالة تمازج بين الرّوح والفرح والفنّ الانطباعيّ.
نحن لسنا أمام فنّان مستجدّ أو صغير في العمر، فهو يبلغ الرّابعة والخمسين عامًا؛ سنوات حياته قضاها في الفنّ ممارسة عمليّة وفنًّا يحلّق به، وتجوالاً بين الأمكنة. فعاش فترات في المكسيك وواضح تأثّره بها من خلال فنّه، حتّى وصل لكندا وعاش بها وحمل جنسيّتها، فتركت الأمكنة أثرها على روحه وانعكست على فنّه ولوحاته، وإن كان هذا بالنّسبة لي المعرض الأوّل الّذي أشاهده للفنان، إلاّ أنّي أكاد أجزم أنّ الفنان في معارضه الشّخصيّة السّابقة بعددها الإث
فوضى
بعدسة: زياد جيوسي

عيد ميلاد ليلى
بقلم: زياد جيّوسي
إختلف فيلم "عيد ميلاد ليلى" عن باقي الأفلام الفلسطينيّة؛ لأنّه فيلم روائيّ وليس فيلمًا وثائقيًّا، وتصويره كان في الأرض المحتلّة وفي مدينة رام الله وتوأمها البيرة بشكل كامل، وكانت كافّة الأدوار لممثّلين فلسطينيّين، وإنّ تأخّر العرض في فلسطين لأسباب عدّة أهمّها: جولة الفيلم الخارجيّة في المهرجانات السينمائيّة من جانب، والحرب المدمّرة على غزّة من جانب آخر- ممّا عطّل الكثير من الفعّاليّات الفنّيّة والثّقافيّة في أرجاء فلسطين في ظلّ شلاّل الدّم النّازف.
الفيلم تناول الحياة الفلسطينيّة في ظلّ الاحتلال وفي ظلّ الفوضى الدّاخليّة، استخدم شخصيّة "أبو ليلى" وهو قاضٍ سابق كان يعمل خارج الوطن، وعاد ليعمل في وزارة العدل في مجال تخصّصه، ولم يصدر قرار تعيينه رغم حصوله على قرار من الشّهيد ياسر عرفات الرّئيس الفلسطينيّ الأوّل، في إشارة واضحة إلى أنّ القرار من الرّئيس الشّهيد كان في أواخر فترته، ففي تلك الفترة كانت الكثير من قراراته لا تنفّذ من المسؤولين في ظلّ حصار "أبو عمّار" على يد الاحتلال الإسرائيليّ، هذا الحصار لم يتوقّف حتّى استشهاد الرّئيس بالسّمّ حسبما تشير المؤشّرات، وفي ظلّ عدم تمكّن المواطنين من مقابلة الرّئيس بسبب الحصار الاحتلاليّ وإبداء التّذمّر أو الشّكوى، فإنّ أبواب "أبو عمار" كانت مفتوحة، ممّا ترك المجال واسعًا للكثير من المسؤولين كيْ لا ينفّذوا القرارات الرّئاسيّة تحت بند أو آخر.
وكيْ يتمكّن "أبو ليلى" من تأمين لقمة العيش لزوجته وابنته ليلى، يضطرّ للعمل سائق سيّارة أجرة، تعود ملكيّتها لشقيق زوجته، وكونه رجل قانون نجده حريصًا على تطبيق القانون في مهنته الإجباريّة في ظلّ تردّي وضعه الماليّ، فهو يلتزم بالقوانين الّتي أهملها قبل معظم النّاس، مثل: عدم السّماح بالتدخين في السّيارة وإصراره على ربط حزام الأمان والسّير بسرعة قانونيّة وإعطاء الأولويّة للغير. وتروي حكاية الفيلم بتكثيف كبير يومًا من حياة "أبو ليلى" وهو يوم عيد ميلاد ليلى، وتنبّهه زوجته أن يعود باكرًا كيْ يحتفلوا به.
ليلى طفلة في السّابعة من العمر وترتدي لباس المدرسة الأخضر مع الأبيض بخطوط طوليّة، دلالة رمزيّة على أنّها طالبة في مدرسة حكوميّة، وليست من طالبات المدارس الخاصّة باهظة التّكاليف، والّتي لها أزياؤها الخاصّة ولا يتمكّن المواطن العاديّ من تسجيل أبنائه وبناته فيها. ومن هنا نلمس استخدام المخرج رشيد مشهراوي للرّمز في فيلمه هذا بشكل مكثّف وفي خدمة الهدف من الفيلم. وكلّ رمز منها يحمل دلالة معيّنة، فمن ملابس الطّفلة المدرسيّة إلى الرّجل المسنّ الّذي يركب معه ليوصل
اسطنبول
بقلم: زياد جيّوسي

حين حملني مركب الرّيح والشّوق للقاهرة، لم يكن في ذهني أنّني وفي زيارتي الأولى للمدينة الحُلم، سأكون في رحلة روحيّة أحلّق فيها من فضاء القاهرة إلى فضاء اسطنبول. ولكن حين أبلغتني الشّابّة كِنان طالبة الفنون في اليوم الثّاني لوصولي عن معرض فنّيّ، يحمل عنوان (اسطنبول) للفنّان فرغلي عبد الحفيظ في قاعة الفنّ في حيّ الزّمالك في شارع يحمل اسم البرازيل، ابتسمت وقلت: إذًا ستجمع روحي بين القاهرة واسطنبول والبرازيل مرّة واحدة، أخذتُ العنوان وفي الموعد المحدّد كنت أجول جنبات القاعة.
قاعة الفنّ في الزّمالك؛ قاعة أنيقة وجميلة ومرتّبة، أسلوب جميل في عرض اللوحات، تشدّ المشاهد بهمسات رقيقة للتّجوّل في قاعاتها المتعدّدة، صوت العزف النّاعم على القيثارة الفرعونيّة بأصابع فنانة جميلة تعزفها بانسيابيّة وحلاوة، يساهم في خلق الجوّ الرّوحيّ للتّجوال في فضاءات الفنان فرغلي، يضاف إلى ذلك الاستقبال اللطيف وحسن الضّيافة من مديرة القاعة والعاملين بها، ممّا يخلق الجوّ المحفّز للتّحليق في عالم الفنّ التّشكيليّ. وحقيقة لم أستطع أن أقاوم إغراء مشاهدة المعرض، فالفنّ التّشكيليّ يشدّني بقوّة. وفي العديد من المعارض الّتي حضرتها لم تمتلك روحي إلاّ أن تحلّق مع إبداع الفنّ، وترسم بالكلمات. فالفنّان المبدع يسكب روحه في لوحاته، وفي هذه الحالة أشعر بساعدين يخرجان من قلب اللوحة ويمسكان بي ويشدّني لداخل اللوحات، فأشعر أنّني أتنقّل وأجول بداخل اللوحة نفسها وكأنّي جزءٌ منها، فينصهر جسدي بروحي فلا أشعر به، وأرى هالة من نور تحيطني وتحملني للتّحليق مع جمال الفن والإبداع.

حين وقفت أمام اللوحة الأولى شعرت بجسدي يتسمّر في مكانه، روحي تحلّق وعيناي تحدّقان بتركيز شديد، لم أصحُ منه إلاّ حين رحّبت بي مديرة القاعة ومنحتني شرف التّعريف بفرغلي الفنّان الهادئ والدّمث، لأعود بعدها لأكمل التّجوال في المعرض وبين فضاء اللوحات بدون أيّ شعور بالتّعب لوقت استمرّ قرابة السّاعتين.
لوحات معرض (اسطنبول) رحل

من بوح (رفسة غزال)
2 من 3
بقلم: زياد جيوسي
ويطوي الزّمان السّنوات عامًا إثر عام، وما زلت أحلم بأن نلتقي، أن تجمعنا جدران أنّت من برودة الوحدة. فأسكر بذكراك وأهتف لك (أنت ملكتي.. لا أبغي سواك)، فمن لي بحُبّ (يحمل إليّ لقاح بذور لا تكون إلاّ لسواي) غير حبك. وهل من طيف غير طيفك (أصرّح له بأننّي أحبّه كما النّرجس والليلك والنّار) فأنا لم أملّ الانتظار، وما زلت أنتظر حبّك أن (يعود أسطوريًّا في رعشات أصابعه.. في حرارة جسده..)، فما زلت رغم الغياب الطّويل و(عبق رائحتك لا يتركني)، وحبك يسكن منّي الرّوح فهو (مخبوء فيها نصل ورد ومرمر).
كوني معي، عودي من الغياب الّذي طال.. فأنا منذ غيابك من (أفاق على حياة فيها حمائم تحطّ وتطير في أقلّ من عُشر الثّانية)، أنا بحاجة إليك، بحاجة لحمامة تعود وتحطّ ولا تطير من وكنها. وطوال سنوات الغياب كنت من (تحرّكه قدماه لمصعد يعتليه قلبه وزقزقات هناك تناديه ليحتلّ مقعدًا فيها)، فمن غيرك لي حمامة تحلّ السّلام في قلبي المشتعل، (تسكنه ذات المكان وذاته)، ولا تترك أحلامه (أضغاث أحلام وخيالات مقطّرة بما يرقرق الماء وترقّ له النّسائم فتترقرق).
تجول بي الذّاكرة إلى الماضي، إلى ضمّات الهوى الّتي كانت تضمّنا، حين كنّا نختلي على أعلى التّلّة، أحتضن فيك (امرأة نصف التّاريخ كانت) فترقّ لنا حوريّات الهوى وقد (حللن ضفائرهنّ الطّويلات، تلك النّساء "ربّات الفنون") اللواتي يعرفن ما الهوى؛ فهنّ عرائس الماء حسب الأسطورة اليونانيّة، أسطورة رغم كلّ ما عرفت لم تستطع أن تعرف قصّة هوى كهوانا.. ننظر للأفق البعيد حيث تتعانق التّلال مع أفق السّماء ونحلم، ولم نكن ندري أنّ القدر يلعب لعبته (لينفصل الشّيء عن نقيضه)، فنضيع عن بعض ولا يبقى في الذّاكرة إلاّ الحلم وما عشناه. ولعلّ التّلّة ما زالت المكان الّذي من حبّنا (زخر بالرّائحة الصّندل وبلل الحكايا من عرائس الماء).
جلت الليلة مع نسائم الهواء المنعشة في ذلك الطّريق الّذي سرناه معًا ذات يوم؛ كان الهواء يملأ صدري، وأنت وخيالك لا تفارقين ذهني.. وقفت تحت ظلال الشّجرة الّتي وقفنا تحت ظلالها يومًا، فشعرت بحبّنا (أنفاسه تلهب
عمان من دارة الفنون في جبل اللويبدة
بعدسة: زياد جيوسي

عمان من جبل اللويبدة
بعدسة: زياد جيوسي
2
صباحكم أجمل / متى نحتسي القهوة في روابي عمان؟
شريط الذكريات- الحلقة الثانية
بقلم: زياد جيوسي
أخي جهاد.. ما زلت أذكر الأساطير التي حيكت حول مستشفى البشير الذي كان يسمى الجراحي في طفولتنا، وحجم الخوف الذي كان يلبسنا إذا مررنا من هناك، فقصص الأشباح الذين يخرجون من غرفة (عزرايين) كما كنا نسميها كانت تسيطر علينا، فكان قلة من يجرؤون أن يمروا من هناك بعد غياب الشمس، ترى لو أن المئات من الذين دفنوا في حفرة ضخمة تقبع في أحد زواياه، في لحظة من لحظات غياب العقل، لو أنهم دفنوا أيام طفولتنا، كم من القصص كانت ستخرج من الخيال الشعبي عندها؟
ورابع المعالم هو الكنيسة المتربعة على التل، مواجهة لجبل القلعة والقصور، الكنيسة ذات الجرس الصامت، والتي اذكر عش الحمام في برجها منعما بالهدوء والسكينة، والمعلم الخامس الذي أضيف هو مسجد أبو درويش، هذا المسجد الذي بناه ذلك الشيخ الجليل القادم من القوقاز ليكون رحمة لآخرته، ودعاء له من المصلين وصدقة جارية ما دام هناك من يصلي فيه، ذاك المسجد الذي بني من حجارة بيضاء وسوداء فكان آية في الجمال، وأنموذجا من البناء لم تشهده عمان من قبل.
أتذكُر يا صديقي يوم افتتاحه؟ عندما كان رجال (الدرك) يحملون سياطهم المشهورة، لتنظيم دخول آلاف الأشخاص الذين تدفقوا من اجل التمتع بآيات من الجمال لم نعهدها من قبل، كانت ذكرى افتتاحه وانبهاري بسجاده وثرياته وزخرفه ذكرى لا تفارقني، حتى دار الزمان دورته وعدت إليه في بداية الشباب، لأكمل المرحلة الثانوية في المدرسة الرابضة أسفله.
أعدتني يا أخي بكلماتك سنوات وسنوات وما زال معين الذكريات يتدفق كشلال ضوء، انبثق فجأة من خلف غيمه.
أذكر يومي الأول في مدرستي الرسمية الأولى مدرسة عبد الرحمن بن عوف، الواقعة ما بين حافة المخيم وبداية العمران الزاحف وحافة الصحراء، فكانت خليطا من التلامذة القادمين من الحضر والقادمين من البادية.
اذكر عندما أتى العم أبو عبد الله ليأخذني إلى المدرسة
صحراء بلا مأوى
بعدسة: زياد جيوسي

شهداء بلا مأوى
بقلم: زياد جيّوسي
كيف يمكن للموسيقى أن تحلّق بالإنسان إلى فضاء آخر، وكيف يمكن للنّغمات أن تجعل المستمع يعيش في حالة وجدانيّة كبيرة، فتفرض الصّمت وتثير الرّوح؛ هي تساؤلات فرضها على روحي الفنّان سامر طوطح، بعد حضوري عرضًا لفرقة تراث للموسيقى الشّرقيّة، لطلبة معهد ادوارد سعيد الوطنيّ للموسيقى.
"شهداء بلا مأوى" مقطوعة للفنّان سامر طوطح، كانت واحدة من ستّ معزوفات، لكنّها كانت درّة العرض، ففيها يتحدّث الحزن عبر تمازج موسيقيّ فريد، تمازج يهيّج الأرواح المتعبة، يكاد يدفع الدّموع في المآقي؛ إنّها أرواح الشّهداء تعزف لنا، تغنّي بصمت. فالنّاي الحزين يبكي ويبكينا، ترافقه نقرات الإيقاع على الدّفوف، القانون يرافق النّقرات بمقاطع رتيبة، كأنّ هناك طابور من العطشى يسير في صحراء قاحلة، الشّمس مسلّطة فوق رؤوسهم، وسراب الماء يلوح في الأفق ويبتعد كلّما ساروا بخطواتهم المتعبة.
نغمات من الحزن تنسكب شلاّلاً، لتخرج نغمات البزق في ظلّ هذه الكآبة الحزينة، وكأنّها تحرّك المياه الرّاكدة، فتخلق بعضًا من أمل، من خلال فرح يشوبه الحزن، لينطلق القانون في معزوفة أمل، بينما يستمرّ العود والبزق مع الإيقاع، يدقّ نغمات ثلاثٍ رتيبة، نغمات تشدّ المستمع للصّمت وتدفع الحزن في روحه.
يصمت القانون، فيندفع لحن النّاي الشّجيّ متفوّقا على رتابة العود والبزق والإيقاع، فيحيل الحزن إلى نظرة تفاؤل وأمل
بعدسة زياد جيوسي

من وحي "حكاية حبّ" للأديبة عبير محمّد
بقلم: زياد جيوسي
وأهمس من قلب بركان ألمي (بيني وبينك أُنشودة تغنّت بها الرّوح)، فتعالي ولا تمعني في الغياب فما زلت احلم بروحك ولمساتك، (وهمسات نديّة موشومة بحبر الوفاء على ورق الشّجر)، تعالي ولا تنسي ما كان بيننا من جنون وحبّ، فما بيننا أكبر من قصّة جنون، (بيني وبينك قُبلة حرف.. همسة وتر.. ورود تفوح).
حين سمعت صوتك عبر الغياب (انساب همسك خفقات تبعثرت بأعماقي) فأنت تمعنين في السّفر والغياب، حتّى أنّ (قوافل الودّ باتت تُسافر بيننا في أتون الصّمت)، فتعالي وعودي من ظلّ غيابك، حياتي أصبحت كالهشيم المشتعل، فتعالي لنعيد حبًّا أراه (بعُذريّته امتدّ بين أزقّة الوريد وفاض بالشّريانِ نهرًا).
إنّه جنون الحبّ الّذي امتدّ منذ ألف عام، الحبّ الّذي (أغرقني بأعماقه.. ورسم ملامحنا بين الخمائل ياسمينًا ووردًا)، أعيدي الماضي الّذي رسم حبّنا فما زلت أحلم بك وأذكر
(كم كنت أعيش معك بحضن قصيدة غنّاء شاعريّة)، إنّه الحبّ الّذي كان يجتاحنا وما زال يجتاحني.. هو أمواج محيط ثائر، نهر هادر، (حبّ أثمل الرّوح.. خَـــدّر بخمرهِ الإحساس)، تعالي وارسمي حكاية وجد وجمال، أعيدي رسم أحلامي الّتي أصبحت مزقًا، فأنا أريدك حبًّا مجنونًا، كان الحبّ قد (تموسق بين حنايا الوجد.. ما بين البُعد والتّداني)، مهما ابتعدتِ، مهما أمعنتِ في الغياب، مهما أبحرت
الصّور المرفقة بعدستي الشّخصيّة.
بين بغداد وعمّان والقدس
بقلم: زياد جيّوسي
ثلاثة مدن تجلّت الرّؤى فيها عبر تاريخ طويل، كلّ منها كانت لها أثر ما في تاريخ حافل في حركة تاريخ المنطقة. فهذه الحواضر لم تمرّ في التاريخ مرور الكرام، كما مرّت غيرها من المدائن، ولم يتمكّن التّاريخ وهو يلعب أحداثه على مسرح جغرافيّتها من إحالتها إلى ذكرى مدن لعبت دورها وحملت عصاها ورحلت، فما زالت تلعب دورها بقوّة وإصرار في تراجيديا تاريخيّة لا تعرف التوقّف، ومسرح ما زالت هذه المدن تقوم بدور البطولة فيه.
إبراهيم العبدلي الفنّان التّشكيليّ عراقيّ الهويّة، والّذي تخرّج في العام 1965 من أكاديميّة الفنون الجميلة في بغداد في العام ألف وتسعمائة وخمس وستّين؛ إلتقط خيط التّاريخ الّذي يجمع بين هذه الحواضر الشّامخة، من خلال معرضه الّذي حمل اسم "بين بغداد وعمّان والقدس"، فتمكّن برؤية واضحة وريشة مبدعة من إبداع سبع عشرة لوحة، كلّ منها تحمل في داخلها قصّة، سواء كانت هذه اللوحة تحمل بعضًا من المدن الثّلاث، أو من خلال صور الوجوه الّتي أبدع فيها حتّى نخالها تكاد تنطق وتنبض بالرّوح.
في مركز "رؤى" عمّان، كان لقائي الأوّل مع إبداع العبدلي، بقيت حوالي السّاعتين أجول بين اللوحات الّتي زينت جدار "رؤى". وفي وسط حضور كبير شعرت بنفسي أعود لمرحلة السّبعينات من القرن الماضي، وأجول في قاعات الفنّ التّشكيليّ في بغداد أثناء فترة دراستي، فاللهجة العراقيّة كان لها حضور كبير من أحبّة الفنّان ومريديه؛ هذه اللهجة الّتي افتقدتها منذ سنين طويلة في وجودي في رام الله، فأثارت في الرّوح ما أثارت من أشواق ولواعج، إضافة إلى الجمهور الأردنيّ العاشق للفنّ والجمال. وقد سرّني أن ألتقي مع أصدقاء لم أعرفهم إلاّ عبر القلم؛ أقرأ لهم ويقرؤون لي وإن لم نلتقِ من قبل. فكان "لرؤى" الفضل في اللقاء والتّعارف، ومنهم الأحبّة موسى حوامدة ويحيى القيسيّ. لم أكتفِ بساعتين من التّجوال والغوص في اللوحات، فعادة حين تأسرني لوحة أو معرض لوحات في حفل افتتاح، أعود مرّة أخرى في وقت يكون الجمهور فيه قليلاً، كيّْ أستطيع أن أمارس عبادة الصّمت والتّحليق فيما أراه قد اجتاح منيّ الروح.
وهكذا كان. فقد عدت بعد يومين صباحًا مرافقًا قلمي وعدسة تصويري، فجلت المعرض لمدّة ساعتين إضافيّتين وحيدًا إلاّ من جمال الرّؤى في اللوحات؛ سبع عشرة لوحة- كلّ منها تحكي حكاية، وكلّ منها تمثّل مدرسة بحدّ ذاتها. وكلّ مجموعة تمثّل قسمًا وتصنيفًا. وفي تأمّلي للّوحات وجدتها تنقسم من زاوية رؤيتي إلى عدّة أقسام أو لنقل تصنيفات، رأيتها كما يلي..

"لوحة سعاد"
القسم الأوّل: لوحات تعتمد على فنّ رسم الوجوه؛ وقد تجلّت قدرة الفنّان في دقّة الرسم ونقل الملامح. واستخدام التّضاد بين خلفيّة اللوحة ولون الوجه المرسوم، إضافة للقدرة الهائلة على استخدام ضربات الفرشاة الحرّة في الكثير من الزّوايا، مما أضفى على اللوحات روحًا متميّزة وجمالاً آخر من خلال هذا الأسلوب المتميّز والدّال على قدرة مميّزة. ففي لوحة "سعاد" كنت أدقّق بين ما أراه أمامي من فنّ في اللوحة وبين "سعاد" الأصل، فوجدت قدرة كبيرة على الإبداع الّذي يكاد يحاكي بين اللوحة والأصل، وخاصّة فيما تقوله العيون، فقد تمكّن الفنّان العبدلي من التقاط ما تقوله العيون وجسّده بطريقة هائلة. فأعطى للوحات الوجوه حياة خاصّة بها، فابتعدت عن الجمود الّذي نراه في بعض اللوحات الّتي تفتقد الرّوح في العيون.
لوحة "سعاد" كانت متميّزة بشكل خاصّ، وإن تميّزت الوجوه في لوحات الوجوه المتعدّدة بشكل عامّ، وإن كانت هذه اللوحة بحضور صاحبتها، هو ما أعطاني الفرصة للتّدقيق بقدرة الفنّان من خلال مقارنتي بين الأصل واللوحة. أمّا في لوحة "طالبتي من نيجيريا" فقد قرأت الحزن بوضوح في العيون، والنّظرة الّتي تبحث عن شيء مجهول ولكن بحزن وألم، حتّى أنّ هذا الإحساس شدّني طويلاً وأنا أتأمّل عيون اللوحة. وفي لوحة تحمل اسم "هند" لامرأة تسكب الشّاي؛ كانت تعابير الوجه تتفوّق بدقتّها حتّى على مصوّر فوتغرافيّ محترف لو التقط الصورة، فكدت أرى في العيون وملامح الوجه أنّ"هند" تتنشّق عبق الشّاي المسكوب، وعيونها تسأل أو تحادث

لوحة فوتغرافية للفنان هاني حوراني
تفاصيل
بقلم: زياد جيوسي
حين كان يتاح لي أن أحضر معرضاً للصور الفوتوغرافية في أوقات مختلفة، كنت أقول في نفسي: إن الروح هي التي تلتقط الصورة وليست العدسة، ومن هنا كنت أميز دوماً بين روح الفنان في ممارسته التصوير الفوتوغرافي، وبين عدسة المصور التي تلتقط ما تراه بدون روح، وفارق كبير بين روح الفنان وبين العدسة بدون روح.
حين توجهت لمركز رؤى للفنون في مدينة عمّان عائداً من القاهرة قبل توجهي لرام الله، لحضور معرض "تفاصيل" للفنان هاني حوراني، لم أتوقع أنني سأعيش حالة وجدانية كبيرة، حالة أقرب للتحليق الصوفي من مجرد رؤية لوحات فوتوغرافية، كانت لوحات وليست صور، وكانت روح هاني تحلق فيها بجمال وإبداع.
"تفاصيل" كانت رحلة حملتني وأنا عاشق الأمكنة، رحلة امتدت من البتراء والسلط في الأردن إلى الدار البيضاء، فتونس فالرباط، ومن القاهرة إلى الدوحة، ومن دبي إلى دمشق، ومن وادي النسناس في حيفا إلى مراكش مروراً بسيدي أبو سعيد في تونس، وحلقت بنا الروح في مناطق أوربية مثل مرسيليا ومالطا وأمستردام، فكانت رحلة الروح مع عدسة الفنان، مع إبداعه، مع تفاصيله الصغيرة.
لم يعتمد هاني حوراني الصورة الفوتوغرافية الشاملة للمشهد، فقد تركزت روحه بالتقاط التفاصيل الصغيرة، ومن تجميع الصور للتفاصيل، خرج لنا بمجموعة رائعة ومميزة من اللوحات، وكل تفصيل صغير فيها كان يشكل لوحة، وكل مجموعة مركبة مع بعضها كانت تشكل لوحة أخرى إجمالية، تشد المشاهد وتجعله يحلق بين التفاصيل وبين الشمولية.
مازج الفنان بين روحه كفنان تشكيلي وبين روحه كفنان فوتوغرافي، فتمكن من مزج الروحين معاً، وهذا ظهر في العديد من اللوحات الفوتوغرافية، ولعله تمكن في بعض منها من زيادة كمية اللون أو تخفيفه، فأصبح المشهد أقرب للوحة تشكيلية مرسومة بألوان الزيت من مجرد صورة فوتوغرافية، ولجأ في الصور الشمولية وفي كل لوحات المعرض تقريبا إلى تقسيم اللوحات إلى مربعات جرى نزع كل قسم لوحده، وشكلت المربعات اللوحة الشمولية، تاركا فراغاً محدوداً في تعليق اللوحات بين اللوحة والأخرى، فكان يعرض أسلوباً مختلفاً ومتميزاً وجديداً، وحقيقة بالنسبة لي كنت أول مرة أشاهد هذا الأسلوب بالعرض والتركيب.
ففي جدارية "السلط" الضخمة تمكن من خلال عدة صور، وتقسيمها إلى مربعات ومزجها مع بعضها البعض، من إبداع جدارية غاية في الجمال تصدرت لوحات المعرض. كانت بانوراما تمثل السلط بتاريخها وجمالها وإبداع مبانيها عبر القديم وصولا للحديث الذي لم يخلو من روح التراث، بينما تمكن من التقاط إبداع
مبنى تراثي في الدقي أحد أحياء القاهرة
بعدسة: زياد جيوسي

أنا القدس
بقلم: زياد جيوسي
كيف لأحد أن يروي الحكاية، حكاية القدس عبر التّاريخ؛ يروي الحكاية كما هي بدون عبث العابثين والّذين زوّروا التّاريخ والحكاية، كيف يمكن أن يتمّ ذلك من خلال عمل مسرحيّ يتمكّن من اختصار الحكاية الّتي بدأت منذ فجر التّاريخ بساعة واحدة من الزّمان، على خشبة مسرح ومن خلال ممثّلة واحدة يرافقها راقصَين تعبيريّين اثنين، كيف؟
كان هذا هو السّؤال الّذي يدور في ذهني وأنا أتّجه لمسرح القصبة لأشاهد مسرحيّة "أنا القدس"، والتي أنتجها مسرح عشتار في رام الله، وتُعرض على مسرح القصبة ضمن أيّام المنارة المسرحيّة. فالقدس حكاية من قبل التاريخ، حكاية بدأها اليبوسي الكنعانيّ جدّنا الأوّل، أرادها مدينة سلام ومركز حضارة وتجارة، مدينة محبّة وحسن جوار مع ممالك المدن في فلسطين وممالك خارج إطار وحدة فلسطين الجغرافيّة الممتدة ما بين النّهر والبحر، لتتحول هذه الأرض إلى قبلة أطماع الطّامعين والنّاهبين ولصوص الليل وقطّاع طرق التاريخ، لتصبح القدس عبر تاريخها مسرحًا دمويًّا ضحيّته أبناء كنعان، الّذين لم يتوقّفوا عن الدّفاع والقتال ذوداً عن وطنهم وقدسهم على مرّ التّاريخ، وحتّى عصرنا الحاليّ الذي يقف فيه الفلسطينيّون أحفاد كنعان، في مواجهة أشرس حملة ضدّ وطنهم وضدّ القدس.
رغم ثقتي بقدرات مؤسّسة مسرح عشتار الّذي عايشت عمله ونتاجه الفنّيّ منذ عدت للوطن منذ أكثر من عقد من الزّمان، ورغم احترامي الكبير لجهود الممثّلة المسرحيّة إيمان عون وقدراتها، إلاّ أنّ سؤالي لم يفارقني وأنا أنتظر بدء العرض- فقضيّة القدس قضيّة وطن وهي رمز من أقوى رموزه. ومثلي مَن شرب ماء القدس طفلاً يدرك كم هي قضيّة صعبة ومعقّدة كي تُروى حكايتها في ساعة وعبر المسرح.. حتّى كان اللقاء مع المسرحيّة ورواية الحكاية.
مسرح بديكور بسيط متحرّك ببعض من قطعه، ظلام دامس ينبثق من زاوية المسرح فيه نور يشعّ وكأنّه بوّابة الأمل في مستقبل تزول منه العتمة. إيمان عون تمثّل القدس كمدينة بروح امرأة يسعى الغزاة دوما لاغتصابها، رشا جهشان راقصة تعبيريّة أبدعت مع الممثّل والرّاقص التعبيري محمّد عيد، بالتّعبير عن مراحل تاريخ المدينة الأقدس والأجمل. وم
ابو الهول حارس التاريخ والأهرامات
بعدسة: زياد جيوسي
مسجد السلطان حسن في القاهرة
بعدسة: زياد جيوسي

صباحكم أجمل/ وللقاهرة عبق وجمال آخر..
يوميات من القاهرة 3
بقلم: زياد جيوسي
واصلت القاهرة سحرها واستلاب روحي، لم تترك لي لحظة بدون تحليق، تجولت فيها وجالت بروحي، فكانت روحي تجول عبر سحر القاهرة وعبق النيل، لا أشعر بالتعب إطلاقا رغم كثافة البرنامج اليومي، لم تفارقني رام الله وعمّان وروح طيفي أبداً، ولم يفارقني الأصدقاء الذين التقيت بهم هناك، من التقيت بالسابق ومن تواصلت أرواحنا عبر الحروف والجمال وعالم الكتابة والحرف، فمن ليس معي بجسده وروحه تواصلني عبر الهاتف، فغمرني أهل أرض الكنانة/ أهلي بطيبتهم وجمال روحهم وحسن الضيافة وكرمها، فزادوا من بهاء القاهرة ومصر في الروح، فتجذرت في القلب وسكنته بجمالها والروعة والطيبة والمحبة.
ما أن خرجت وصديقي الرائع الأستاذ يحي حسن المذيع المعروف ومقدم البرامج في إذاعة صوت العرب من بوابة القلعة، حتى كنت أستدير بوجهي ونحن نركب سيارته وألوح للقلعة هامساً: سيكون لنا لقاء من جديد، فسحر القاهرة وأرض الكنانة لا يقاوم، لأتجه مع صديقي المضياف ذو الروح المحلقة إلى مسجد السلطان حسن، ومن ثم مسجد السيدة عائشة، ونجول في تلك الأحياء القديمة التي تروي كل حجارتها حكاية مضخمة بعبق التاريخ والأصالة، فكل ما قرأته عن تلك الأماكن لم يستطع إلا أن يزرع الحلم بلقاء المدينة الحلم/ القاهرة في الروح، لكنه لم يتمكن أبداً من أن يمنحني أحاسيس الجمال والروعة في التجوال.
كانت الحكاية تتواصل، وكل مكان نزوره يروي فصلا من الحكاية حتى وصلنا لأول مسجد في تاريخ القاهرة، مسجد الصحابي عمرو بن العاص، فانسكب التاريخ شلالات من جمال تروي حكاية مرحلة جديدة وحضارة أخرى من تاريخ مصر والعرب، فكل أعمدة هذا المسجد الضخم تروي فصولا من الرواية، تجولت فيه وعدسة التصوير لا تتوقف عن التقاط الصور، والروح لا تكف عن التحليق عبر عبق التاريخ ومجده، فليس أجمل من المكان حين يحكي الحكاية، يروي فصولا من رواية بدأت وليس لها نهاية طالما الدنيا قائمة، طالما الأرض تدور.
من باحة المسجد إلى محيطه والجمال، إلى الحي المحيط به ثم لأحياء جُلناها بالسيارة بين قديم وحديث، لنتناول العشاء في مطعم أبو رامي الشهير والمختص بأصناف محددة، لنواصل السهرة والراحة والحديث في مقهى يمازج بن القدم والحداثة، يحمل اسم نارجيلة الباشا، فجلسنا وصديقي يحي حسن في حوار جميل حول التاريخ وعبق الجمال، الح
من داخل قلعة محمد علي في القاهرة
بعدسة زياد جيوسي

صباحكم أجمل/ سحر القاهرة
بقلم: زياد جيوسي
يوميات من القاهرة 2
هي القاهرة المدينة الحلم، مدينة تمتلك سحراً لا يقاوم، فأشعر كم كانت عمّان ورام الله مصيبتان بخوفهما عليّ من هذا السحر، فشاركتاني قصة عشق جديدة لمدينة كنت أحلم بلقائها، فتحقق الحلم وصرت أخشى أن أكون ما زلت أحلم، فأصحو وأجد نفسي قد عدت من الواقع الى الحلم.
تأسرني القاهرة في زيارتي الأولى فتدخل القلب وتسكن فيه، تشارك معشوقاتي الأربعة سكن القلب، فتأخذ حيزها بجوار رام الله وعمّان، بغداد ودمشق، وكنت قبل أن أحظى بزيارتها ولقاء الحب والحلم، أقول دوماً لأصدقائي وأبنائي: مصر كانت وستبقى قلب الأمة وتاريخها، عبق الحضارة والتاريخ، الفن والأدب، تفرد جناحيها يمنة ويسرى، فيشكل الوطن الممتد أجنحة الحلم والصقر المحلق.
حين كنت أمتطي مركب النيل متأملاً جماله وأنا في عبابه، التقط بعض من صور الجمال، كانت روحي تحلق، كنت أرى فيه وجه طيفي الجميل يفرد شلال شعره على ضفتيه، كانت روحي تستمع لعزف التاريخ الذي مر من هنا، يعزف أنغامه على القيثارة المصرية الفرعونية القديمة، يغني ويقول: يا ضفاف النيل..، حتى أني تمنيت لو استمر المركب الذي يحملني برحلته أبداً لا يتوقف.
التجوال في شوارع القاهرة له نكهة خاصة لمن لا يعرفها ويلتقيها لأول مرة، فأخترت ميدان طلعت حرب ليكون نقطة البدء، في تجوالي في الشوارع والمدينة سيرا على الأقدام، لمعايشة المدينة ومعرفتها، للتحليق بما تحمله المباني من علائم عبق تاريخها وحكاياتها، فأقف اتأمل المباني وخاصة التي تحمل بعض من القدم، أشعر بجدرانها ، نوافذها الجميلة التصميم والابداع، شرفاتها تهمس لي بحكايا وقصص كانت شاهدة عليها، فالجمال في المكان هو أن يروي لي الحكاية، أحادثه وأهمس له ويهمس لي، وأعبر عن همسنا برسمه بالكلمات، لذا حين تجولت في كل الشوارع المنبثقة من ميدان طلعت حرب، ويشكل الميدان نقطة لقائها المركزية، اتجهت الى ميدان التحرير ومن هناك الى باب اللوق واخترت مقهى شعبي بسيط وجلست للراحة واحتساء القهوة والكتابة، التعبير عن المشاعر التي تملكتني في جولتي الأولى المنفردة في شوارع القاهرة.
وحين تجولت سيراً على الأقدام على ضفاف النيل، لم أشعر بالتعب أبداً، كنت أجلس في الأركان والدروب، أخرج عدسة التصوير والتقط بعضاً من الصور، أسجل في دفتري بعض من مشاعر الجمال، فهو النيل وسحر القاهرة، عبق النيل يحمل في أنفاسه التاريخ، الحب، العشق، الجمال. وبقيت أجول حتى العصر حتى أنهكني التعب، فالتقيت بخالد وذهبنا الى مطعم متميز جميل الشكل متميز بالخدمة، مطعم اسمه فلفلة قريب من ميدان طلعت حرب لأتناول فيه أكلة مصرية جميلة وطيبة، مطعم له ذكرى في القاهرة وجمال، متميز بتصميمه الشرقي الداخلي وإسمه، لنغادر ونجول قليلا في الشوارع القريبة، ثم يغادرني الرائع خالد في الميدان ليكون لي لقاء مع انسانة رائعة لم التقيها منذ سنوات طويلة، اتصلت بها وأصرت على دعوتي لتناول القهوة في أحد الأماكن ال
الغروب في النيل
بعدسة: زياد جيوسي

صباحكم أجمل/ عبق النيل
يوميات من القاهرة "1"
بقلم: زياد جيوسي
غادرت رام الله ولم تغادرني، رافقتني الى عمّان وشربت القهوة معي في الصباحات العمّانية الجميلة، وحين ودعتها متوجها للمدينة الحلم.. القاهرة، ابتسمت وهمست لي: سأكون في انتظارك بميناء القاهرة الجوي، فرام الله لا تترك من يعشقها، وابتسمت عمّان وقالت: سأكون معك أيضاً، فنحن نخشى من معشوقة جديدة تسرقك منا، فمن يستطيع أن يقاوم سحر القاهرة وجدائلها المنتشرة في كل أنحاء مصر، وبصوت واحد قالتا معا: وأنت الذي كنت تحلم بلقاء مصر، معانقة النيل والقاهرة، هل ستستطيع الصمود أمام سحرها الطاغي؟ سنرافقك في كل خطوة، فنحن نعشق القاهرة أيضاً.
كان الخميس الثاني عشر من أذار حين كنت أودع عمّان مساءً، أمتطي مركب الريح متمثلاً بالملكية الأردنية، ابتسامة طاقم الطائرة في المدخل، فهمست لنفسي: يا الله كم من الزمن مر دون ركوب طائرات الملكية الأردنية، فآخر رحلة جوية لي كانت من بغداد لعمّان قبل الحصار الذي لم يتوقف على العراق ، وبعدها بسنوات احتضنتني رام الله أحد عشر عاما متواصلة بدون فراق، حصار فرضه الاحتلال الاسرائيلي عليّ، ولم أتمكن من أن أحمل هوية وجواز سفر الا يوم الأرض من العام الفائت، فكان لقاء العاشق مع عمّان التي لم تفارقني كما طيفي سنوات أسري.
لعله من الطريف أن تكون رحلتي الأولى للمدينة الحلم/ القاهرة يوم ذكرى مولدي، فهل كان القدر يرسم لي حياة جديدة من خلال هذه الرحلة؟ سؤال دار في ذهني حين اقتربت الطائرة من أجواء القاهرة، فشعرت بقلبي يكاد يقفز من مكانه، شعرت بجسدي ويداي ترتج، فأغلقت كتاب إمرأة الرسالة للكاتبة الفلسطينية رجاء بكرية الذي كنت أحمله وأقرأ به وهمست: عذراً يا امرأة الرسالة، عذرا يا رجاء بكرية، دعي روحي تحلق مع القاهرة الحلم في هذه الليلة، مع الأضواء الجميلة التي غمرت روحي، مع عبق التاريخ والحضارة الذي حلق ولف الطائرة بالحب والحنان، طيبة أهلي في مصر وهي تغمر روحي قبل أن التقيهم.
حين هبطت الطائرة أرض المطار وودعت طاقم الطائرة الجميل على السلم بابتسامة وكلمة شكراً.. يعطيكم العافية، واتجهت للحافلة التي ستقودني الى بوابة المطار الداخلية، تمنيت أن أركض راقصاً بدلا من ركوب الحافلة، ولولا الخجل كنت سأحتضن الموظف في المدخل وهو يقول: أهلا وسهلا تفضلوا، نورتوا مصر، فأكتفيت بالقول له مساء الخير.. مصر منورة بأهلها.. وخلال دفائق كنت أنهي الدخول وأستلم حقيبتي وأغادر قاع
قلب عمان
بعدسة زياد جيوسي

صباحكم أجمل/ عمّان ثريا ومطر
بقلم: زياد جيوسي
أول الأمس كنت برفقة رام الله أودعها في الصباح تحت قطرات المطر ونسمات البرد، أجول في دروبها محتضنا ياسميناتها وصنوبرها وشجرة البركة، ساعة كاملة من التجوال وأنا معها، أضم خاصرتها بيدي، تسدل شعرها كشلال من نور على كتفي، تنظر لي بعينيها الجميلتين، بلمعة الحب تشرق في عينيها، تهمس في أذني: أنتظرك بكل الحب فلا تتأخر عليّ، ومن عمّان أكتب لي، فحروفك أينما كنت تعني لي الكثير، سأسبقك لعمّان، أفتح يداي وأحتضنك حين تجتاز النهر المقدس، أجول معك في عمّان وأينما ذهبت. فأهمس لها بكل الحب: وهل من مدينة أنثى إلاك؟ ستكوني معي في عمّان وفي المدينة الحُلم التي سأغادر إليها من عمّان، تصبين لي القهوة كل صباح، نشربها معاً بكل الشوق والمتعة، نشربها من فنجان واحد، أنت أنا كلانا، نستمع معا لشدو فيروز، أغوص في بحر حبك وعينيك، الست أنت الثريا والمطر، الحلم والأحلام، الشوق الجارف عبر العصور، الحب الذي ولد منذ ألف عام مضت وأحتاج لألف عام أخرى كي أعبر عن حبي وعشقي.
صباح الخير يا عمّان، صباح الخير يا حلوة، صباح الذكرى والذاكرة، الشوق والحب، ألتقي حبك في هذا الصباح وزرقة سماؤك والغيم الأبيض، أهمس بأذنيك همسات فيروز: "موعود بعيونك أنا موعود، وشو بعطي كرمالهن ضيا وجروح وأنت عيونك سود ما انك عارفه شو بيعملوا فيّ عيونك السود"، أقف للنافذة في شرفتي التي أحلتها إلى صومعة عمّان، أتأمل مئات الكتب في مكتبتي والتي تجمعت عبر الزمان والطفولة حتى سفري الذي طال عن عمّان، التقط بعض الدفاتر التي حملت إشارات وكتابات على الحواشي، أقرأ بعض منها وأبتسم لما حملته من معانٍ في الذاكرة، أنظر لحوض النعناع الذي زرعته في زيارتي الماضية، ما زال في البدايات، أتأمل الصبّارات التي تركتها غضة قبل أثنا عشر عاما وعدت إليها ووجدتها كبرت وتنتظرني، لدالية العنب التي صعدت حتى ظللت النافذة في الغياب وتحلم بالربيع القادم كي يعود لها الرداء الأخضر وقطوف العنب، كما حلمنا بشتاء ومطر من ثريا حنونة على من أحبها، فتغسله بالمطر.
أغادر رام الله وصومعتي وكتبي، أحواض النعناع والورود على نافذتي، أغلق الباب وأضع حقائبي في مكتب السفر وأجول، لا أستطيع مغادرة رام الله بدون عبق ياسمينها وتقبيل بركتها، أتجه بالسيارة للنهر المقدس الذي يفصل بحراب الجند والأسلاك الشائكة بين ضفتي القلب، بين مدينتين توأمين مثلتا دوماً طيفي الأجمل ا

بين هذا ليل وآدم
باسل زايد إبداع متجدّد
بقلم: زياد جيّوسي
باسل زايد فنّان فلسطينيّ شابّ متميّز، يمثّل ظاهرة مختلفة ومتميّزة في السّاحة الفلسطينيّة. فقد عرفته منفردًا ومع فرق مختلفة، مثل: فرقة سنابل وفرقة سريّة رام الله الأولى وفرقة يلالان، ثمّ فرقة تراب. فباسل نمط مختلف؛ يتناول الكلمة المغناة وما تحمله من بين ثناياها من رسالة.
وتبقى “تراب” تجربة مميّزة ومستمرّة حتى الآن في مسيرة الفنّان باسل زايد؛ مع فرقة تراب قدّم باسل مجموعته المميزّة “هذا ليل”. وفي هذا الألبوم نجد التّميّز بالكلمة واللحن، فكلمات الأغاني تعبّر عن الهمّ اليوميّ للمواطن وأحلامه. وقد تمكّن باسل من أن يمزج بإبداع كبير الموسيقى العربيّة والغربيّة بمختلف أشكالها، وإن بقي العود هو الأساس في ألحانه مترافقًا مع الإيقاع.
في مجموعته “هذا ليل” تميّز باسل وشكّل انطلاقة جديدة. ولعلّ أقوى ما قدّمه في هذه المجموعة مقطوعته الموسيقيّة “جنين”، وفيها تحدّث من خلال اللحن المميّز عن معركة اجتياح مخيّم جنين على يد الاحتلال.. مَن يستمع للمقطوعة وتدرّج الموسيقى بين الطّبقات المختلفة، يعيش أجواء الصّمود الأسطوريّ للمخيم، ويستطيع أن يحلّق مع أرواح الشّهداء، وأن يستمع لجنون الآلة الحربيّة الإسرائيليّة، كلّ ذلك من خلال تناغم الآلات الموسيقيّة وقوة اللحن الّذي أبدعه باسل.
إلاّ أن باسل وطموحه لم يتوقّف عند “تراب” و”هذا ليل”، رغم الشّهرة المتميّزة الّتي نالها. فانطلق بعمل مميّز آخر فكانت
ربيع رام الله تحت الأسر
بعدسة زياد جيوسي

قصة ساحة الورد
بقلم: زياد جيوسي
كيف يمكن للذاكرة والفرح أن يتمازجا مع الألم والحلم بالمستقبل؟ كيف يمكن لعمل فني رائع لكاتب أروع أن يصور من خلال الرقصة التعبيرية والأغنية الشعبية والحكاية قصة شعب؟ كيف يمكن لعمل يضم مجموعة من الفتية والفتيات بعمر الورود أن يدفع الدموع إلى المآقي ما بين حزن وفرح وألم وأمل؟ إنها الحكاية والسؤال.
في ساحة الورد كنت أعود إلى يافا كما روت جدتي سارة الحكاية. كنت أعود إلى فلسطين وجهادها ورجالها وجَمَالها كما حدثني جدي عنها. كنت أستعيد روح أمي وهي تحكي لي قصة طفولتها وشبابها ما قبل النكبة. كنت أرى الذين خانونا وتركونا وحدنا وما زالوا، وأرى الحلم بالشباب والسواعد الشابة التي ستروي قصة الحرية. أرى ألمنا في الشتات والمنافي. أرى النور يشق العتمة منبعثاً من أرواح شهدائنا وأسرانا ومعتقلينا.
ساحة الورد هي الرمز للوطن المغتصب بأكمله، شعبنا وتراثنا وتقاليدنا وظروف حياة شعبنا قبل النكبة، هي لوحة من حروف وإبداع كتبها الراحل الكبير د. حسين البرغوثي لتمثل إبداعاً فنياً تقدمه فرقة سرية رام الله. هذا العمل الذي تأخر كثيراً قبل أن يرى النور لأسباب فنية واجهتها الفرقة، ولكن بإصرار الإدارة وأعضاء الفرقة خرجت إلى النور وعُرضت في رام الله في قصر الثقافة والعرض الأخير في القصبة، وفي الحالتين كنت أحضر العرض وأرى روح حسين البرغوثي ترف من حولنا باسمة فرحة، فحلم حسين قد تحقق، وحلمنا عشاق الفن وعشاق رام الله والوطن قد تحقق.
في ساحة الورد تمازج الرقص التعبيري والدبكة الشعبية وأغنية التراث وأحاديث الراوي في لوحة فنية مذهلة؛ لوحة قام بها شباب وشابات سرية رام الله وهم في عمر الورود فأبدعوا. تشارك كل مَن في فرقة السرية بنجاح العمل، فالديكور كان متمازجاً مع روعة الأداء، فسلالم الحبال وجذوع الشجر كانت الأساس، فمنها سلالم كاملة ترمز للصعود نحو المستقبل الذي سيحمل الحرية، ومنها سلالم تقطعت ترمز لمرحلة مرت بعد نكبة فلسطين العام ثمانية وأربعين.
وفي الملابس تماز
من مدينة بصرى الشام
بعدستي
صباحكم أجمل/ قلبي له
بقلم: زياد جيوسي
يوميات دمشقية الحلقة 4 والأخيرة
وها أنا استعد في الساعات المقبلة لاحتضان رام الله العشق والجمال، أنظر من شرفتي أتأمل عمّان الهوى، أنظر في كل الاتجاهات، أحلم برام الله وأستعيد ذاكرة عمّان التي عشقت، عمان الجمال الصغيرة الجميلة، عمّان الشابة التي كبرنا معها وترعرعنا، فبقيت شابة ترخي جدائلها على الكتفين، وكبرنا نحن وبقي عشق الشابة يجتاح أرواحنا، عمّان وسط المدينة والأحياء التي تتناثر على جنباتها، والتي أجولها في كل مرة أعانق عمّان فيها، محتضنا بروحي روحها، ملتقطاً بعدستي جمال روحها وذاكرة الهوى العمّاني.
كانت فرصة وأنا أتماثل للشفاء أن أستعيد ذاكرة عمّان، فتمتعت بحفل توقيع كتاب القادم من المستقبل للكاتبة نهلة الجمزاوي في رابطة الكتاب الأردنيين، وحفل توقيع رواية للدكتور جمال ناجي في القصر الثقافي الملكي، والتعرف بعدد كبير من الكتاب والمبدعين في الأردن، وخاصة حين التقيت ببعض أعضاء من زملائي في اتحاد كتاب الانترنت العرب فرع الأردن، فكان اللقاء الجميل مع صديقي د. محمد سناجلة والغالي يحي القيسي، وفرصة للتعرف بزملاء من الاتحاد لم التقيهم سابقا كالرائع مفلح العدوان والكاتبة والفنانة والمخرجة هناء الرملي التي عرفتها من خلال إبداعها ولم التقيها سابقا والعديد من الزملاء والزميلات، وفرحت بزيارة لصحيفتي الرأي والدستور ولقاء العديد من المبدعين، منهم من عرفته سابقا والبعض التقيه مواجهة لأول مرة، كما تمتعت بقراءة الكتاب الذي أهداني إياه الكاتب الصديق بسام عليان ويحمل اسم "قضايا معاصرة"، والتمتع بمعرض الفنانة بتول الفكيكي في مركز رؤى، ومعرض الفنان المرحوم حسن حوراني في دارة الفنون ، الذي فارقنا شاباً ولكن روحه بقيت تجول حولنا من خلال إبداعه، ومن جمال اللقاءات لقائي مع الشاعر عمر أبو الهيجاء والتمتع بشعره في ديوانين أهداني إياهما يستحقان تفرداً بالكتابة.
وفي هذه اللحظات تجول روحي وأنا أنظر شمالا للمعشوقة الأخرى دمشق ورحلتي إليها بعد غياب اثنان وثلاثون عاماً، فوجدتها كما تركتها في رحلة الغياب، تنتظر في محطة القطار والوفاء عاشق غائب عاد إليها بعشقه وحبه ولم ينساها لحظة، فأستذكر أواخر أيامي الدمشقية وتجوالي في كل أحيائها في أوا
من لوحات الفنانة بتول الفكيكي
بعدستي الشخصية

الجسد الموشوم
بقلم: زياد جيوسي
الجسد الموشوم
بقلم: زياد جيوسي
من رام الله إلى مركز رؤى في عمّان مباشرة كان المسير، كنت أستعجل موعد قدومي يوماً كاملاً لأكون في السادسة مساءً مع حالة مذهلة من الفن لم أرد أن تفوتني؛ افتتاح معرض “الجسد الموشوم” للفنانة العراقية بتول الفكيكي، فمن يعشق الفن ويفوته معرض نادر ومتميز كهذا المعرض، سيشعر كم فاته من إبداع وجمال ومعانٍ، لذا خرجت مبكراً من رام الله العشق والجمال، فليس من ضمانة لما قد يرتكبه الاحتلال من حماقات لا تهدف إلا إلى إثارة أعصاب المواطنين والتنغيص عليهم.
على أنغام الموسيقى والأغنيات العراقية جلتُ المعرض رغم الازدحام الكبير من الحضور، وأنا في حالة من الذهول، حالة أفقدتني حالة التعب التي أعانيها من سفر يخلق الاحتلال الصهيوني في كل خطوة منه أكواماً من المتاعب، لأجد نفسي محلقاً بحالة نادرة من التحليق، الروح فيها تكون خارج الجسد، والجسد في حالة من الخدر، والنفس تجول في ثنايا اللوحات والألوان، تستقبل كماً من المعاني، يتدفق كنبع قوي، وتتدفق كشلال قوي منحدر يحمل المرء معه بدون أن يمتلك المقاومة، ليضع المشاهد في حالة غريبة يتمازج فيها الألم مع الواقع، والرمز مع التاريخ، والمرأة مع الأسطورة، والأرض مع الجنون.
منذ اللحظة الأولى لا يمتلك المرء إلا أن يكتشف الرمزية الدقيقة في عنوان المعرض الذي حمل اسم “الجسد الموشوم”، فالفنانة لم تسميه مثلاً: “وشم على جسد “، فهنا الجسد خرج عن مفهوم الجسد البشري المجرد، فكان الرمز موشوماً بالكامل، بالألم الذي لم يفقد الجسد جماله وقوته وتشبثه في الحياة، بينما لو كان مجرد وشم على جسد، لكان إشارة أنه ليس أكثر من ألم عابر، يمكن أن يزول بسهولة وبعد معاناة قصيرة.
ستة وأربعون لوحة كانت موشومة بجمالية على جدران مركز رؤى في عمّان، دالة على روح فنية رقيقة ومتميزة لمن أشرف على وشم اللوحات على الجدران، ومن اللوحة الأولى في المدخل، تبدأ ضربات القلب بتصعيد وتيرتها، الأنفاس تتلاحق، فاللوحات بما تحمله من قوة المعنى وقوة الألوان والتحكم بدرجات اللون، تبدو في الوهلة الأولى كبحر يبدو هادئاً رقراقاً، لكن سرعان ما تبدأ الأمواج بالثوران، والرياح العاصفة بالشدة، والأعاصير بالاندفاع، فيجول المشاهد وكأنه يركب قارباً تدفعه الأمواج والرياح بقوة، فتحبس منه الأنفاس.
أدين لبغداد والفنانين العراقيين بعشقي المتميز للفن التشكيلي، فقد عرفت هذا الإبداع في أوائل السبعينيات من القرن الماضي حين بدأت الدراسة في كلية آداب جامعة بغداد، ولم أكن أترك معرضاً أعلم عنه يفوتني، وكنت أتردد باستمرار على كلية الفنون، فكانت مدارس الفن في العراق لها تأثير كبير على روحي وتركت بصماتها على ذائقتي الفنية، وفي معرض بتول الفكيكي لم أجد نفسي غريباً عن مدرستها المتميزة، فقد شعرت أني أتواصل مع الفن العراقي الضارب جذوره في التاريخ منذ سومر و
الأموي من بوابة الحميدية في دمشق
عدسة
زياد جيوسي

http://ziadjayyosi1955.maktoobblog.com/files/2009/02/dscf281013.jpg
صباحكم أجمل/ وأنا الطير المشرد والأقاح
يوميات دمشقية 3
بقلم: زياد جيوسي
هي رام الله والعشق الذي لا يفارقني، الدروب والياسمين المتعربش على الجدران، هوائها العليل الذي يحمل في نسماته كل عبق الوطن من الشمال إلى الجنوب ومن الشرق للغرب، حملتها معي في جولتي الدمشقية لمدينة أعشقها وأبعدني الزمن عنها عقوداً، فما أن أنهيت جولتي في الشام، حتى كنت أسارع بعد إنهاء عملي في عمّان بعد عيد الأضحى مع الأسرة والأهل للعودة بشوق، فلم يتح لي التجوال فيها ومعانقتها والتفيء تحت شجرة بركة إلا يوماً واحد. لأصبح بعدها طريح المشفى وأنتقل لعمان لمواصلة العلاج، ومع كل الألم لم تستطع رام الله أن تغيب يوماً عن القلب والروح، كما لم تغب الشام يوما رغم مرور العقود والسنوات، وما أن تحسنت بشكل معقول حتى كنت أهمس لطبيبي الفنان الرائع: هلا سمحت لي بزيارة رام الله ولو لأيام؟ فلن يتم شفائي إن لم أتنشق عبق ياسمينها، إن لم أعانقها وتسدل شلال شعرها الأسود على أكتافي، ومن بين شلاله أتأمل قمر وجهها المنير، فرق قلبه لهذا العاشق لمدينة، فسمح لي بالسفر لأسبوع وأعود لمواصلة العلاج، فمازجت بين عشق رام الله ودمشق وحب نابلس، حين تجولت فيها بعد محاضرة مطولة ألقيتها حول استخدام الرمز في النقد السينمائي و الأدبي، فهي المدينة التي حرمت منها بسبب الاحتلال سنوات طويلة، وفي أحيائها القديمة ولهجة أهلها المميزة أشعر أني في الشام، وكان الجمال يتدفق حين تناولت وصحبي الغداء في مطعم فندق الياسمين، فتذكرت مطعم البيت الدمشقي في الشام، فنمط البناء متشابه والياسمين بعض من الجمال الذي ينثر في الفضائات بعض عبقه والجمال.
بين ياسمينات رام الله وجماليات نابلس كنت أستعيد ذاكرة الأيام الدمشقية، الأيام التي كانت في نهاية تشرين الثاني من العام الفائت، ولتشرين دوما كان في الماضي ارتباط خاص بالشام، فهو يسكن تلافيف الذاكرة وعبق الروح، فتذكرت أني كرست اليوم الرابع من زيارتي لمخيم اليرموك، تجولته بالكامل سيرا على الأقدام مع زوجتي، وكم كنت سعيداً بلقاء العديد من الأصدقاء والأحبة، ومن جمعني وإياهم التاريخ السابق، ومن جمعني بهم القلم والأدب، وكنا قد استقبلنا في الصباح الكاتبة السورية الرائعة أماني ناصر، وكان لقائنا الأول مواجهة بعد معرفة طويلة عبر القلم والأدب ومواقع ال

مع كلام غير مباح
للقاصة ميسون أسدي
بقلم: زياد جيوسي
ضمن غلاف أنيق يحمل لوحة بريشة الفنان أسامة المصري، ومن خلال تدرجات اللون الأزرق، يشدنا العنوان الذي اختارته القاصة ميسون أسدي لكتابها، والعنوان مأخوذ من قصة تضمنتها ثنايا الكتاب، والذي تعبّر فيه عن المسكوت الذي لا يجري البوح به. وللحقيقة، فقد قرأت معظم هذه النصوص عبر صفحات الشبكة العنكوبتية، وقد لفتت نظري كثيراً، بحيث كنت دوماً أحتفظ بها ضمن ملف خاص في حاسوبي، وكنت أشعر فيها شيئاً جديداً يلامس جرحاً مفتوحاً، ولكن يجري التعامي عنه. وقد سجلت ملاحظات كثيرة على النصوص، وكنت أفكر بإعادة صياغة هذه الملاحظات ونشرها من خلال موضوع يتناول نصوص ميسون أسدي، حتى فوجئت بنشرها ضمن كتاب يحمل العنوان أعلاه، واتصال من الصديق أسامة المصري يعلمني باسمه واسم زوجته ميسون أنهم أرسلوا نسخة من المجموعة كهدية، فشكرته كثيراً على هذا اللطف الذي اعتدته منه رغم أننا لم نلتق حتى اللحظة مواجهة، فهكذا حالنا في الوطن الفلسطيني الممزق تحت سياط الاحتلال. لقد وجدت في العنوان خلاصة الفكرة التي كنت أدوّن ملاحظاتي حولها، ووجدته معبّراً بدقة عن المواضيع التي تتناولها القصص المتناثرة التي ضُمت بين دفتي كتاب
المجموعة تتكون من عشرين قصة قصيرة، تتناول العديد من القضايا بجرأة متميزة، وتبحث في موضوعات مسكوت عنها رغم أهمية تناولها، فهي قضايا نعيشها في مجتمعاتنا العربية عموماً، كما نحياها في مجتمعنا الفلسطيني خصوصاً، وإن كان هذا التعايش معها يختلف نسبياً حسب المناطق والتجمعات الفلسطينية، فالمجتمع الفلسطيني الذي وقع تحت السيطرة الإسرائيلية بعد حرب النكبة في العام (1948)، وبحكم انعزاله عن مجتمعه الفلسطيني وامتداده العربي لسنوات طويلة، وأصبح عرضة لمحاولات التذويب وسلب الهوية، اختلف نسبياً في التعامل مع العديد من القضايا عن المجتمع الفلسطيني في قطاع غزة الذي كان يخضع طوال الفترة نفسها للإدارة المصرية، أو عن المجتمع الفلسطيني في الضفة الغربية الذي كان تحت حكم الأردن وتم التعامل مع أبنائه كمواطنين أردنيين يحملون الجنسية الأردنية، ولهم حقوق المواطن الأردني نفسها وعليهم نفس الواجبات.
من هنا، وخلال قراءة هذه المجموعة علينا أن ندرك هذا التمايز، فالظروف الذاتية والموضوعية لما أصبح يسمّى فلسطينيو الداخل، تختلف نسبياً عن فلسطينيي الضفة والقطاع، حتى لا نقع في خطأ التعميم وكأننا نتعامل مع مجتمع متجانس يخضع للشروط نفسها، ويعايش الواقع نفسه.
يمكننا أن نقسم المجموعة القصصية إلى مجموعات رغم التقارب بشكل أو آخر بينها وهي:
المجموعة الأولى: وتتحدث عن المشكلات الاجتماعية في أنماط التربية السائدة في المجتمع، وفشلها في التعاطي مع أجيال جديدة بحاجة لاهتمام كبير وخاص، ونجدها في قصص: مريم، شاي وبسكوت وسكر، الحب كافر، درب ليلى الحمراء، أحضري فوراً، ففي قصة مريم نرى المراهقة التي تقع في الحب الأول، وحين يعلم أهلها لا يعالجون الموضوع بروية، ولكن يلجأون للقمع وتزويجها عنوة من قريبها الذي يغتصبها اغتصاباً في ليلة عرسها. وفي القصة التالية شاي
ومهما كانت عتمة الليل فالفجر سيشرق من جديد
رام الله التحتا
بعدستي الشخصية

صباحكم أجمل\ غزة وجراح في القلب
زياد جيوسي
كنت في طريق العودة لأحضان رام الله، يشدني الشوق بعد غياب، أحلم بلحظات الوصول وأنا أمر وأصدقاء لي عبر حواجز الاحتلال وقرف الاحتلال، يشدني الشوق والحنين والحب لرام الله، أنتظر لحظات الوصول لألقي حقيبتي وأجوس في دروبها، أتنشق الياسمينات المتعربشة على الحيطان، أستظل دفء بركة والحور العتيق، كان يوم سبت، وكنت أعلم أن اليوم التالي عطلة رسمية، مما سيتيح لي فرصة التجوال وممارسة العشق لمدينة لا أمتلك إلا أن أعشقها بجنون.
وصلنا استراحة أريحا وبدأت رحلة الانتظار لركاب جدد يملئون معنا السيارة، حين علمنا أننا نمر بيوم سبت أسود، فتدافعنا جميعا نرقب الفضائيات في قاعة الاستراحة، نتألم ونتمزق ويشدنا الغضب، فقد بدأ دمنا ينـزف في غزة، أشلائنا تتناثر مزقاً، جنون المحتل وقهره وبغضه وحقده يتدفق، طائراته تهدم المباني وتقتل شعبنا المحاصر هناك، إنه الجنون الاحتلالي والحقد المطبق، فتدفق الدم شلالات تروي الأرض وتشعل زيت مشعل الحرية الآتي، فلا مشعل حرية يضيء بغير الدم الزكي.
غادرنا أريحا بصمت وألم، تبخرت الفرحة بقرب الوصول لرام الله، ولم يتبقى هناك إلا اشتعال النار في الصدور، الغضب والألم، وتأخرت المسافة للوصول، فقد استنفر الجيش الاحتلالي في الطرقات، وخرج الرجال الرجال من أطفال الحجارة يرشقونهم بحجارة الغضب والألم، وما أن وصلت حتى كان همي أن أتواصل مع أصدقائي هناك تحت النار، والذين كانوا على تواصل معي حين كانت رام الله تحت القصف والنار، وان أتابع الأخبار والفضائيات، أتصل بالأصدقاء لنرتب ما يمكن فعله، وأن أنطلق للشارع للمشاركة في أولى المسيرات بعد وصولي في المساء.
في اليوم التالي الأحد وبالكاد غمضت لي العيون كنت أ
الأفلام الفلسطينيّة المشاركة في كارَفان السّينما العربيّة الأوروبيّة
بقلم: زياد جيّوسي
في الفترة الواقعة ما بين 17و25 من آب أغسطس للعام 2008 وفي مدينة عمّان عاصمة المملكة الأردنيّة الهاشميّة، أفتتح مهرجان كارفان السيّنما العربيّة الأوروبيّة. وكان للسّينما الفلسطينيّة حضورها من خلال فيلمين، هما: ظلّ الغياب وفيلم خمس دقائق عن بيتي، ومن خلال فيلم سويسريّ فلسطينيّ مشترك. وقد كان لي الشّرف أن أدعى للمهرجان وأن أقدّم فكرة عن السّينما الفلسطينيّة، إضافة للتّعريف بالأفلام المعروضة. وفيما يلي تعريف مقتضب عن هذه الأفلام.. فشكرًا للرّوّاد للصّوتيّات والمرئيّات، شكرًا لكارَفان السّينما العربيّة الأوروبيّة، وهي تقدم لجمهور الأردن هذه الفرصة النّادرة لمتابعة أفلام ليس من السّهل مشاهدتها عبر التّلفاز ودور السيّنما.. للتّمتّع بالعروض الفلسطينيّة رغم الدّموع الّتي يمكن أن تسقط على الوجنات وهي ترى حجم المأساة..
1- ظلّ الغياب للمخرج الفلسطينيّ نصري حجّاج
الفلسطينيّ كان وما زال دومًا مشروع شهيد لا يواجه المشكلة في استشهاده، فهو قدر مرسوم، لكنّ السّؤال الّذي ألحّ على روحي وأنا أحضر العرض الأول لهذا الفيلم في مسرح وسينماتيك القصبة في رام الله العاصمة المؤقّتة لدولة الحلم فلسطين، هو: لو استشهدت برصاصة احتلاليّة أو رصاصة شقيقة أو رصاصة منفلتة، أين سأدفن؟ وهل سأجد مكانًا أدفن فيه بكرامة؟
هذه هي قصّة ظلّ الغياب للمخرج الفلسطينيّ نصري حجّاج المشتّت بين مخيمات اللجوء وبين المنافي والشتات، يبحث فيها قصّة موت الفلسطينيّ في أصقاع الدّنيا، في الوطن والشّتات، في الغربة وفي ظلّ اللجوء والنّفي والمنفى.
يأخذنا نصري حجّاج في أصقاع الدّنيا، فناجي العليّ يرقد في لندن، وأبو عمار يرقد في رام الله، وأبو جهاد الوزير يرقد في دمشق، وأبو إياد يرقد في تونس، وآلاف يرقدون في مقابر مجهولة لم يَعرف ذووهم أين هم وأين دفنوا.
كلّ إنسان له وطن من حقّه أن يدفن في ترابه، بغضّ النّظر عن مكان وفاته، إلاّ الفلسطينيّ فهو لا يمتلك هذا الحقّ، لذا لم يدفن الرئّيس ياسر عرفات في القدس، وبقي ناجي العليّ مغتربًا حتّى في قبره، ولم يتح لأبي جهاد أن يرى أرضه حتّى بعد الاستشهاد؛ فالفلسطينيّ يظلّ لاجئًا حيًّا وميّتًا (…) طالما تمنعه الإجراءات الإسرائيليّة حتّى من تشييد قبر فوق أرض الوطن، فقوانين إسرائيل تمنع دفن غير اليهوديّ في أرض فلسطين، فهي تعتبرها حكرًا على اليهود، وعد الرّبّ، ولا تريد أن ترى في كذبتها الكبيرة الّتي أسمتها أرض إسرائيل، بشر من غير اليهود ميّتين كانوا أو أحياء.
هي قصّة الفلسطينيّ بعد الموت من خلال التّجوال بين قبور الفلسطينيّين في بقاع العالم، وهي الحلم بالكرامة المنشودة للفلسطينيّ حتّى لو كان ميّتًا، فلنشاهد معًا ظل الغياب وتشرّد الفلسطينيّ ميّتًا بعد تشرّده حيًّا.
2-رنّات العيدان- عائلة كاميليا جبران
كلّ فلسطينيّ يشكّل بحدّ ذاته حكاية، وكل مجموعة من الفلسطينيّين يشكّلون بحكاياتهم رواية. والغربة والاغتراب هي قصّة الفلسطينيّ سواءً تمكّن من البقاء في وطنه أو أجبر أن يغادره أو اقتلع منه، فهمُّ الفلسطينيّ كان ولم يزل البحث عن الوطن.
رنّات العيدان فيلم سويسريّ فلسطينيّ من إخراج آن ماري هالر يروي










