... أرحب بكم في مدونة أطياف متمردة وصباحات الوطن...


2- صباحكم أجمل / متى نحتسي القهوة في روابي عمان؟

كتبهازياد جيوسي ، في 24 أيار 2009 الساعة: 14:43 م

عمان من دارة الفنون في جبل اللويبدة

بعدسة: زياد جيوسي

عمان من جبل اللويبدة

بعدسة: زياد جيوسي

 

2

صباحكم أجمل / متى نحتسي القهوة في روابي عمان؟

شريط الذكريات- الحلقة الثانية

بقلم: زياد جيوسي

   أخي جهاد.. ما زلت أذكر الأساطير التي حيكت حول مستشفى البشير الذي كان يسمى الجراحي في طفولتنا، وحجم الخوف الذي كان يلبسنا إذا مررنا من هناك، فقصص الأشباح الذين يخرجون من غرفة (عزرايين) كما كنا نسميها كانت تسيطر علينا، فكان قلة من يجرؤون أن يمروا من هناك بعد غياب الشمس، ترى لو أن المئات من الذين دفنوا في حفرة ضخمة تقبع في أحد زواياه، في لحظة من لحظات غياب العقل، لو أنهم دفنوا أيام طفولتنا، كم من القصص كانت ستخرج من الخيال الشعبي عندها؟

   ورابع المعالم هو الكنيسة المتربعة على التل، مواجهة لجبل القلعة والقصور، الكنيسة ذات الجرس الصامت، والتي اذكر عش الحمام في برجها منعما بالهدوء والسكينة، والمعلم الخامس الذي أضيف هو مسجد أبو درويش، هذا المسجد الذي بناه ذلك الشيخ الجليل القادم من القوقاز ليكون رحمة لآخرته، ودعاء له من المصلين وصدقة جارية ما دام هناك من يصلي فيه، ذاك المسجد الذي بني من حجارة بيضاء وسوداء فكان آية  في الجمال، وأنموذجا من البناء لم تشهده عمان من قبل.

   أتذكُر يا صديقي يوم افتتاحه؟ عندما كان رجال (الدرك) يحملون سياطهم المشهورة، لتنظيم دخول آلاف الأشخاص الذين تدفقوا من اجل التمتع بآيات من الجمال لم نعهدها من قبل، كانت ذكرى افتتاحه وانبهاري بسجاده وثرياته وزخرفه ذكرى لا تفارقني، حتى دار الزمان دورته وعدت إليه في بداية الشباب، لأكمل المرحلة الثانوية في المدرسة الرابضة أسفله.

   أعدتني يا أخي بكلماتك سنوات وسنوات وما زال معين الذكريات يتدفق كشلال ضوء، انبثق فجأة من خلف غيمه.  

   أذكر يومي الأول  في مدرستي الرسمية الأولى مدرسة عبد الرحمن بن عوف، الواقعة ما بين حافة المخيم وبداية العمران الزاحف وحافة الصحراء، فكانت خليطا من التلامذة القادمين من الحضر والقادمين من البادية.

   اذكر عندما أتى العم أبو عبد الله ليأخذني إلى المدرسة في يومي الأول، وكانت المدرسة تحمل اسم الصحابي الجليل عبد الرحمن بن عوف، والدراسة قد بدأت منذ فترة وأنا لم التحق لأني اصغر من السن المطلوب قليلا، وأعطتني الوالدة زوادتي الأولى (خبزة متضمخة بالزيت والزعتر)، وهل كان لنا أن نعرف غيرها؟ ومصروفي الأول الذي كان الحاجب لي من رهبة المدرسة (تعريفه) كما كنا نسميها، أي خمسة فلسات كاملة..وحقيبة صغيرة لا أعلم من أين حصلت عليها، وان كنت أجزم أنها لم تشترها فلم تكن تمتلك ثمنها، وقلم رصاص ودفترين.

   أدخلني العم أبو عبد الله وهو يرتدي بزته العسكرية، ونجمة أو نجمتين تتلألئان على كتفيه، عند أبي علي مدير المدرسة والذي كان مكتبه في زاوية من صالة المدرسة، فلم تكن المدرسة سوى صالة تتوسط أربعة من الغرف تحتوي بجنباتها الطلاب من الصف الأول إلى الصف الرابع الابتدائي، وكنت هزيل الجسم وزادتني  رهبة الموقف هزالا، وقال له: هذا الولد الذي قلت لك عنه.. لك يا أستاذ اللحم ولنا العظم.

   ووقفت بينهما لا أدرك شيئا، مدير المدرسة الذي حمل عصاه ووضعها تحت إبطه، والعم أبو عبد الله ببزته العسكرية ومسدسه على وسطه، شعرت لأول مرة برهبة السلطة: سلطة المدرسة وسلطة الجيش، ونادى المدير على أحد  الأساتذة وقال له: خذ هذا الولد عندك وأخبرني إن كان يصلح وان لم يكن فأبقه مستمعا للعام القادم، فهو اصغر من السن القانوني.

  

   أمسكني المدرس بحنان من يدي وما زلت أتساءل.. هل كان المدرس حنونا يومها؟ أم أنه تصرف كذلك أمام رهبة السلطة المتمثلة بوجود ضابط من الجيش، أدخلني الصف ووقفت لحظات خلتها الدهر وكل عيون الطلبة محدقة بي، وقال لي المدرس: حظك جيد.. هناك طالب غائب اليوم، سأجلسك مكانه في آخر الصف ولكن لا تحضر غدا إلا ومعك مقعد صغير وإلا ستجلس على الأرض فأنت متأخر ولا يوجد مقاعد فارغة، وكان كل مقعد يجلس عليه ثلاثة من الطلبة.

   كانت الحصة الأولى هي اللغة العربية، كان هذا من حسن حظي، كانت بعض الكلمات مكتوبة على اللوح، وفجأة قال المدرس من يستطيع القراءة؟ رفعت يدي، نظر إلي المعلم باستغراب.. أنت هل تقرأ؟ تحشرجت الكلمات في حنجرتي وبالكاد استطعت أن أقول نعم، إذاً اقرأ.. استجمعت شجاعتي وقرأت، ولم اشعر إلا بيد المعلم تتناولني من مقعدي ذاهبا بي إلى المدير قائلا له: هذا الولد قرأ الدرس المكتوب على اللوح.

   نظر إلي أبو علي، هل قرأت؟ نعم يا أستاذ.. إذا أمامي، ساقني أمامه للصف وطلب مني  أن أقرأ وقرأت، لم أكن متفهما ما يجري، كنت خائفا جدا أشعر أنني اقترفت ذنبا لا اعرفه، وهنا طلب من الطلاب أن يصفقوا لي، لماذا وكيف؟ لا اعرف.

 سألني: من علمك القراءة؟ قلت له باعتزاز: أمي يا أستاذ، كم أنت عظيمة يا أمي، كم اذكر هذه اللحظات التي ميزتني عن غيري، وكم شعرت بالفخر والاعتزاز بأمي وما زلت.

   وللحديث بقية.. صباحكم أجمل.

(رام الله 12/1/2004)

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : صباحكم أجمل من الحلقة الأولى | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

18 تعليق على “2- صباحكم أجمل / متى نحتسي القهوة في روابي عمان؟”

  1. فيلادلفيا العرب قال:

    متى نحتسي القهوة في روابي عمان ؟؟
    كم من صديق وقريب يسأل متى
    عمان الحالمة والندية بروابيها وجبالها واماكنها تنتظر العائد والغائب والبعيد متى اطحن حبات الهيل في القهوة ؟
    الله كريم يا صديقي مادامت القلوب متآلفة وبينها مودة لا تنتهي بلقاء وفراق .
    عمان تفتح ذراعيها للقادم وتقول اهلا

  2. الصديقة فيلادلفيا
    هي عمان التي تسكن القلب
    فتشكل مع رام الله رئتي القلب
    لا تفارقاني ابدا
    ففيهما الهوى
    الحلم
    صباحك أجمل
    زياد

  3. صباحكم أجمل/ بقلم زياد الجيوسي
    عندما يجتمع الجمال والإحساس والدفء بلوحة واحده

    فلابد أن تلامسنا وتلامس أرواحنا وتبعث بالنفس سعادة ونشوى

    هذا مااشعره بكل صدق كلما مررت على لوحاتك الناطقة والنابضة بالإبداع والألق

    باقات ورد أديبنا العزيز والقدير زياد الجيوسى

    وشوق لإرتشاف المزيد من هذا الجمال

    دمت مبدعاً أديبنا الوارف

    ودام حضورك الجميل

    تقبل مرورى

    أرق تحياتى

    أميرة الإحساس
    عبير محمد

  4. العزيزة عبير محمد
    أميرة الاحساس فعلا وليس قولاً
    هي بعض من تحليقات الروح بدأتها منذ سنوات أروي فيها قصة الذاكرة والمكان، الحلم لنا وللوطن بالصباح الأجمل
    سكبت فيها روحي وحلقت مع عبق الياسمين
    مع قصة حب بدأت منذ الف عام مضت بل أكثر
    ولكنها لن تزول طالما القلوب تنبض بعشق الوطن وتحلم بالحب
    شكرا لأحاسيسك الجميلة التي ترافق مسيرتي
    لك احترامي ومودتي
    زياد

  5. ما اجمل تلك الذكريات استاذي الغالي

    لقد جعلتني اطوف في ارجاء المكان

    واسرح بخيال يتلوه خيال شريط

    من ذكرياتي مر امامي طفولتي وضحكاتي

    المي وحزني وذكريات كثيرة كانني انظر

    لفلم سينمائي تذكرت كيف كنت احفظ القراءه

    وانا بالصف الاول كنت مجتهدة جدا كنت احلم

    وأفقت من حلمي بانتهاء قرائتي لكلماتك احسست

    انني اريد ان اقرأ مرارا وتكرارا حتى ابقى في حلمي

    تسلم اخي الرائع على تلك الزكريات حزينه ولكن كان

    بها قبس من الفرح تميزك وامك دمت اخي ودام نبض قلبك

    وقلمك
    ريماس فؤاد

  6. ريماس
    ذاكرتنا الفردية سجل حياتنا الخاصة
    وذاكرتنا الجمعية ذاكرة شعب
    وحين بدأت أكتب هذه الذاكرة
    كنت أعلم أن في ذاكرة المكان وذاكرة الزمان
    ما يشترك به العديد من أبناء شعبي
    فنحن نشكل بالمجموع ذاكرة شعب مستمرة عصية على الشطب
    ومن هنا كان استعادتك لبعض من سجل ذاكرتك
    فنحن نتشارك في الكثير
    هي روح الانسان
    كانت وستبقى محلقة
    فوق الألم
    تحلم بالفرح
    بمودة
    زياد

  7. صباحك رائع اخي رغم الحزن الا انه فيه

    ابتسامه ذكريات جميله

    تمنياتي لك بكل خير
    صمت الحب

  8. صمت الحب
    ومن قلب الحزن والألم
    يتولد الفرح
    ونحن نحلم بالفرح الآت
    زياد

  9. هدى عبد الرحمن قال:

    المفْضال
    زياد الجيوسي
    للهِ أنت كيفَ ُتذهلنا
    في كلّ نبضٍ يوثق علاقةَ الانسان / المكان ..
    و تبهجنا بوهج اللغة الألقة

    تحيتي
    خضراء الرّوح
    هدى عبد الرحمن

  10. خضراء الروح هدى
    الانسان حين يرتبط بالمكان
    يجد كم من الحب والعشق
    فتحلق روحه عالياً
    ويسجل ذاكرة غير مروية
    تؤكد بشكل فردي بعض من ذاكرة جمعية
    تكرس الوطن وذاكرته
    فوطن بلا ذاكرة
    وطن يسهل شطبه
    شكرا لروحك الجميلة
    زياد

  11. صباحك اجمل استاذي الرائع

    جميل ان يكتب الانسان عن

    حياته وعن سفره بكل بقاع

    الارض لانها تظل ذكرى له

    طول العمر يذكره الناس

    واتمنى لك اخي ان تكون

    كل صباحاتك جميله
    نانا

  12. اهلا بك يا نانا في الصباح الأجمل وحديث الذكريات
    هي بعض من الذاكرة الفردية
    التي تشكل بمجموعها ذاكرة شعب لم تكتب
    تروي قصة الشتات والنفي
    وفي مدونتي السلسلة شبه الكاملة لهذه الصباحات
    صباحك أجمل
    اهلا بك دوما
    زياد

  13. شكرا لك لموضوعك
    وصباحك دايما اجمل
    تحياتي لك
    عصفورة الحب

  14. عصفورة الحب
    ولك مني شكر وباقة ورد
    بمودة
    زياد

  15. حياك الله
    صباحك فل وياسمين وعطر ونرجس وكل شىء جميل
    نهارك فل
    نهارك روعه
    نهارك جميل سعيد
    ما اروعك
    توته

  16. توته
    الله يسعدك يا رب
    ويجعل الفرح حليفك
    شكرا لك روحك الحلوة مثلك
    التي فاضت بهذه الحروف اللطيفة والجميلة
    تقبلي مني باقات ورود
    بمودة
    زياد

  17. استاذي الكريم
    استاذ زياد …
    أعلم بأنني قد غبت و غاب تعليقي عن كلماتك الجميلة … وعن ذكرياتك التي تحمل في كل مرة
    صورة أبهى للماضي … ذكريات نسترسل معها وننسجم.
    غياب رافقه الحزن ،،، ليس لحدث معين وإنما لحال الدنيا.
    احترت بماذا أبدأ … ولكني سأعود لأكمل سطوراً أخرى من هدوء بوحك .
    لك خالص تقديري وتحياتي
    وكل عام وأنت بألف خير
    رمضان كريم

  18. الألقة شروق عصام
    وحقيقة قد افتقدتك كثيرا، حتى وصلت الى مرحلة القلق ولا امتلك وسيلة يمكن أن أطمأن من خلالها عليك..
    فمرحبا بعودتك المشرقة وآمل أن تكوني قد تجاوزت الحزن، فالعمر أقصر من أن نقضيه بالألم والحزن، والابتسامة خير سلاح لمواجهة الصعاب والتعب.
    سعيد بعودتك، وآمل أنت اراك في محراب حوف كل المقالات التي لم تتزين بحضورك
    اكتب لك في اللحظات الأخيرة قبل ان اغادر رام الله الى عمان لزيارة الأهل واستكمال رمضان هناك والعيد ان شاء الله لي ذلك.
    كل عام وانت بكل الخير
    زياد



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر