... أرحب بكم في مدونة أطياف متمردة وصباحات الوطن...


أمريكا/ فيلم للمخرجة: شيرين دعيبس

تشرين الأول 21st, 2009 كتبها زياد جيوسي نشر في , قراءات سينمائية


 

أمريكا

فيلم للمخرجة: شيرين دعيبس

بقلم: زياد جيوسي

   أتاح لي مهرجان القصبة السينمائي مشاهدة العديد من الأفلام التي كنت أرغب في مشاهدتها، ولعل من هذه الأفلام بشكل خاص، فيلم (أمريكا) للمخرجة شيرين دعيبس، والتي حضرت افتتاح المهرجان في مدينة رام الله وكان فيلمها هو فيلم الافتتاح.

   الفيلم يقع تحت خانة تصنيفه كفيلم روائي، وبذلك يخرج عن إطار الأفلام الوثائقية التي اعتدناها بشكل واضح في السينما الفلسطينية، فالأفلام الروائية قليلة ومحدودة، وربما أن الوقت الذي تحتاجه مع ارتفاع التكلفة وضعف الإمكانيات تلعب دورها في ذلك.

  أمريكا- قصته بسيطة تتلخص بالحديث عن امرأة (نسرين فاعور) تسكن رام الله وتعمل في مؤسسة مصرفية، تعاني مشكلات أسرية بسبب طلاقها وزواج طليقها من امرأة أخرى، لديها شاب في سن المراهقة (ملكار معلم)، ترى زوجة طليقها في محل لبيع الخضار فتصاب بتوتر شديد وتغادر المحل فوراً، تتلقى الموافقة على البطاقة الخضراء من أمريكا عشية حرب الخليج عام 2003، فتناقش ولدها الذي يشجعها على السفر ويرى في الهجرة مفتاح الفرج والفرح والمستقبل، تتردد قليلا ولكن ولدها يلح عليها ويقول متحدثاً عن والده: لقد أخذ قراره كيف تكون حياته، فلنأخذ نحن قرارانا، فتتخذ القرار وتذهب لبيت لحم مع ابنها لزيارة أمها وشقيقها ليكون السفر من هناك، تصل أمريكا ونشاهد سوء التعامل في المطار من رجال الأمن والجمارك، نرى الانبهار بأمريكا، تبحث عن عمل يناسبها فلا تجد إلا العمل في مطعم بخدمة الزبائن والتنظيف، ولدها ينجرف قليلا في حياة الشباب الأمريكي، مخدرات وتدخين، يواجه مشاكل عنصرية كما تواجهها أمه وأسرة شقيقتها المقيمة هناك.

   هذه هي قصة الفيلم الذي رأيته، وحقيقة وجدت أن هناك الكثير من القضايا بحاجة لنقاش.. فالسيدة لا تعاني من مشاكل صعبة مالية، فهي موظفة مصرف تكفل لها وظيفتها حياة معقولة، بينما يظهر الفيلم منذ البداية مشكلتها الاجتماعية، وبالتالي فإن الهجرة لأسباب مالية غير وارد، ورغم مشاهد الاحتلال على الحواجز واضطهاده للمواطنين، فهذا ليس بالسبب الكافي للتفكير بالهجرة، فالاحتلال يسعى جاهدا للتنغيص على حياة المواطنين لدفعهم لمغادرة الوطن، ومع هذا نجد الشعب يتمسك بأرضه ووطنه، فلذا لم أجد في الفيلم أن هناك أسبابا مقنعة لهجرة هذه المرأة وولدها، حتى في فكرة تأمين مستقبله الدراسي، فالدراسة متوفرة بالجامعات الفلسطينية بشكل كبير، ولم أجد إلا أسباباً إج

المزيد


مفتوح.. مغلق

تموز 1st, 2009 كتبها زياد جيوسي نشر في , قراءات سينمائية

  

مفتوح..  مغلق

بقلم: زياد جيوسي

 

   (عمر الأسى ما انتسى وأنتوا أساكوا زاد، كانت فلسطين الحمامة وكنتم الصياد)، لا أعرف لماذا قفزت هذه الأهزوجة إلى ذهني وأنا أشاهد للمرّة الثانية فيلم (مفتوح.. مغلق) للمخرجة الفلسطينيّة ليانة بدر، ففي المرّة الأولى الّتي شاهدت عرض الفيلم في مسرح وسينماتيك القصبة كنت أعاني من عدم قدرتي على مغادرة مدينة رام الله منذ سنوات طويلة بإجراءات احتلاليّة، والمغامرة بالخروج في ظلّ حجْر أمنيّ على هويتي كانت تعني بدرجة كبيرة احتماليّة الاعتقال والإبعاد عن الوطن. وحين تابعت الفيلم خرجت بانطباعات مختلفة المشاعر، ففيه شاهدت معاناة أخرى لأبناء وطني، وشاهدت بلدتي جيّوس المحروم منها ومن معانقة ترابها وزيتونها، وشعرت كم يعمل الاحتلال على تمزيق الوطن وتحويله إلى قطع مشرذمة لا يمكن التواصل بينها، مصادرة الأرض وتدمير الرّوح ومصادر الرّزق، هدر الدّم بلا سبب والعمل على تهجير المواطن المتشبّث بأرضه وتاريخه، تشويه الطّفولة في روح الأطفال، مقاومة الشّعب وصموده وحيدًا في ظلّ عدم وجود من يقف إلى جانبه.

   وحينما شاهدت الفيلم ثانية؛ لم تقلّ درجة الألم رغم أنّي كنت قد نلت هويّتي وتمكّنت أن أغادر رام الله، أن أجول في العديد من المناطق الّتي صورها الفيلم، أعايش وأشهد بنفسي المعاناة الّتي يعيشها المواطن، صلبت ساعات على الحواجز تحت ظلّ الشّمس الحارقة والبرد القارص، فأصبح إحساسي بمعاناة الفلسطينيّ كما صورتها ليانة بدر وعبّرت عنها، إحساسا مضاعفًا بالألم.

   (مفتوح.. مغلق) عنوان لفيلم يعبّر عن واقع، واختيار الاسم كان تعبيرًا دقيقًا عن معاناة الفلسطينيّ على بوّابات الدّخول والخروج الّتي اخترعها الاحتلال استكمالاً لبوّابات السّجون والمعتقلات. فهذه البوّابات لا تفتح إلاّ بمواعيد محدّدة للعبور وبتصاريح من الاحتلال؛ معرّضة للإغلاق في كثير من الأحيان، ويتحكم الاحتلال بمن يمنحه التّصريح للعبور، ويستغلّ ذلك أبشع استغلال أثناء المواسم الزّراعيّة كموسم الحمضيّات وموسم قطاف الزّيتون. فقد يمنح فردًا واحدًا من الأسرة التّصريح ويحجبه عن بقيّة الأسرة، ممّا يؤدّي إلى ضرب الموسم الزراعي بأكمله، إضافة للتّحكّم بعدد ساعات البقاء في الأرض خلف الجدار، بما لا يسمح بإنجاز أيّ عمل إلاّ القليل، ولو كان المزارع بحاجة لمسألة لا تحتاج وقتًا يجبَر على البقاء لساعات طوال.

   لجأت المخرجة إلى أسلوب تقسيم الفيلم إلى أجزاء تدور حول محور واحد، هو المعاناة والتّشبّث والمقاومة، فكان الفيلم من عدّة أجزاء كل منها يح

المزيد


عيد ميلاد ليلى

حزيران 10th, 2009 كتبها زياد جيوسي نشر في , قراءات سينمائية

فوضى

بعدسة: زياد جيوسي

عيد ميلاد ليلى

بقلم: زياد جيّوسي

   إختلف فيلم "عيد ميلاد ليلى" عن باقي الأفلام الفلسطينيّة؛ لأنّه فيلم روائيّ وليس فيلمًا وثائقيًّا، وتصويره كان في الأرض المحتلّة وفي مدينة رام الله وتوأمها البيرة بشكل كامل، وكانت كافّة الأدوار لممثّلين فلسطينيّين، وإنّ تأخّر العرض في فلسطين لأسباب عدّة أهمّها: جولة الفيلم الخارجيّة في المهرجانات السينمائيّة من جانب، والحرب المدمّرة على غزّة من جانب آخر- ممّا عطّل الكثير من الفعّاليّات الفنّيّة والثّقافيّة في أرجاء فلسطين في ظلّ شلاّل الدّم النّازف.

   الفيلم تناول الحياة الفلسطينيّة في ظلّ الاحتلال وفي ظلّ الفوضى الدّاخليّة، استخدم شخصيّة "أبو ليلى" وهو قاضٍ سابق كان يعمل خارج الوطن، وعاد ليعمل في وزارة العدل في مجال تخصّصه، ولم يصدر قرار تعيينه رغم حصوله على قرار من الشّهيد ياسر عرفات الرّئيس الفلسطينيّ الأوّل، في إشارة واضحة إلى أنّ القرار من الرّئيس الشّهيد كان في أواخر فترته، ففي تلك الفترة كانت الكثير من قراراته لا تنفّذ من المسؤولين في ظلّ حصار "أبو عمّار" على يد الاحتلال الإسرائيليّ، هذا الحصار لم يتوقّف حتّى استشهاد الرّئيس بالسّمّ حسبما تشير المؤشّرات، وفي ظلّ عدم تمكّن المواطنين من مقابلة الرّئيس بسبب الحصار الاحتلاليّ وإبداء التّذمّر أو الشّكوى، فإنّ أبواب "أبو عمار" كانت مفتوحة، ممّا ترك المجال واسعًا للكثير من المسؤولين كيْ لا ينفّذوا القرارات الرّئاسيّة تحت بند أو آخر.

   وكيْ يتمكّن "أبو ليلى" من تأمين لقمة العيش لزوجته وابنته ليلى، يضطرّ للعمل سائق سيّارة أجرة، تعود ملكيّتها لشقيق زوجته، وكونه رجل قانون نجده حريصًا على تطبيق القانون في مهنته الإجباريّة في ظلّ تردّي وضعه الماليّ، فهو يلتزم بالقوانين الّتي أهملها قبل معظم النّاس، مثل: عدم السّماح بالتدخين في السّيارة وإصراره على ربط حزام الأمان والسّير بسرعة قانونيّة وإعطاء الأولويّة للغير. وتروي حكاية الفيلم بتكثيف كبير يومًا من حياة "أبو ليلى" وهو يوم عيد ميلاد ليلى، وتنبّهه زوجته أن يعود باكرًا كيْ يحتفلوا به.

   ليلى طفلة في السّابعة من العمر وترتدي لباس المدرسة الأخضر مع الأبيض بخطوط طوليّة، دلالة رمزيّة على أنّها طالبة في مدرسة حكوميّة، وليست من طالبات المدارس الخاصّة باهظة التّكاليف، والّتي لها أزياؤها الخاصّة ولا يتمكّن المواطن العاديّ من تسجيل أبنائه وبناته فيها. ومن هنا نلمس استخدام المخرج رشيد مشهراوي للرّمز في فيلمه هذا بشكل مكثّف وفي خدمة الهدف من الفيلم. وكلّ رمز منها يحمل دلالة معيّنة، فمن ملابس الطّفلة المدرسيّة إلى الرّجل المسنّ الّذي يركب معه ليوصل

المزيد


الأفلام الفلسطينيّة المشاركة في كارَفان السّينما العربيّة الأوروبيّة.. بقلم: زياد جيّوسي

كانون الثاني 14th, 2009 كتبها زياد جيوسي نشر في , قراءات سينمائية

 

الأفلام الفلسطينيّة المشاركة في كارَفان السّينما العربيّة الأوروبيّة

بقلم: زياد جيّوسي

 

في الفترة الواقعة ما بين 17و25 من آب أغسطس للعام 2008 وفي مدينة عمّان عاصمة المملكة الأردنيّة الهاشميّة، أفتتح مهرجان كارفان السيّنما العربيّة الأوروبيّة. وكان للسّينما الفلسطينيّة حضورها من خلال فيلمين، هما: ظلّ الغياب وفيلم خمس دقائق عن بيتي، ومن خلال فيلم سويسريّ فلسطينيّ مشترك. وقد كان لي الشّرف أن أدعى للمهرجان وأن أقدّم فكرة عن السّينما الفلسطينيّة، إضافة للتّعريف بالأفلام المعروضة. وفيما يلي تعريف مقتضب عن هذه الأفلام.. فشكرًا للرّوّاد للصّوتيّات والمرئيّات، شكرًا لكارَفان السّينما العربيّة الأوروبيّة، وهي تقدم لجمهور الأردن هذه الفرصة النّادرة لمتابعة أفلام ليس من السّهل مشاهدتها عبر التّلفاز ودور السيّنما.. للتّمتّع بالعروض الفلسطينيّة رغم الدّموع الّتي يمكن أن تسقط على الوجنات وهي ترى حجم المأساة..

 

1- ظلّ الغياب للمخرج الفلسطينيّ نصري حجّاج

123192 

   الفلسطينيّ كان وما زال دومًا مشروع شهيد لا يواجه المشكلة في استشهاده، فهو قدر مرسوم، لكنّ السّؤال الّذي ألحّ على روحي وأنا أحضر العرض الأول لهذا الفيلم في مسرح وسينماتيك القصبة في رام الله العاصمة المؤقّتة لدولة الحلم فلسطين، هو: لو استشهدت برصاصة احتلاليّة أو رصاصة شقيقة أو رصاصة منفلتة، أين سأدفن؟ وهل سأجد مكانًا أدفن فيه بكرامة؟

   هذه هي قصّة ظلّ الغياب للمخرج الفلسطينيّ نصري حجّاج المشتّت بين مخيمات اللجوء وبين المنافي والشتات، يبحث فيها قصّة موت الفلسطينيّ في أصقاع الدّنيا، في الوطن والشّتات، في الغربة وفي ظلّ اللجوء والنّفي والمنفى.

   يأخذنا نصري حجّاج في أصقاع الدّنيا، فناجي العليّ يرقد في لندن، وأبو عمار يرقد في رام الله، وأبو جهاد الوزير يرقد في دمشق، وأبو إياد يرقد في تونس، وآلاف يرقدون في مقابر مجهولة لم يَعرف ذووهم أين هم وأين دفنوا.

   كلّ إنسان له وطن من حقّه أن يدفن في ترابه، بغضّ النّظر عن مكان وفاته، إلاّ الفلسطينيّ فهو لا يمتلك هذا الحقّ، لذا لم يدفن الرئّيس ياسر عرفات في القدس، وبقي ناجي العليّ مغتربًا حتّى في قبره، ولم يتح لأبي جهاد أن يرى أرضه حتّى بعد الاستشهاد؛ فالفلسطينيّ يظلّ لاجئًا حيًّا وميّتًا (…) طالما تمنعه الإجراءات الإسرائيليّة حتّى من تشييد قبر فوق أرض الوطن، فقوانين إسرائيل تمنع دفن غير اليهوديّ في أرض فلسطين، فهي تعتبرها حكرًا على اليهود، وعد الرّبّ، ولا تريد أن ترى في كذبتها الكبيرة الّتي أسمتها أرض إسرائيل، بشر من غير اليهود ميّتين كانوا أو أحياء.

   هي قصّة الفلسطينيّ بعد الموت من خلال التّجوال بين قبور الفلسطينيّين في بقاع العالم، وهي الحلم بالكرامة المنشودة للفلسطينيّ حتّى لو كان ميّتًا، فلنشاهد معًا ظل الغياب وتشرّد الفلسطينيّ ميّتًا بعد تشرّده حيًّا.

 

2-رنّات العيدان- عائلة كاميليا جبران

123192 

   كلّ فلسطينيّ يشكّل بحدّ ذاته حكاية، وكل مجموعة من الفلسطينيّين يشكّلون بحكاياتهم رواية. والغربة والاغتراب هي قصّة الفلسطينيّ سواءً تمكّن من البقاء في وطنه أو أجبر أن يغادره أو اقتلع منه، فهمُّ الفلسطينيّ كان ولم يزل البحث عن الوطن.

  رنّات العيدان فيلم سويسريّ فلسطينيّ من إخراج آن ماري هالر يروي

المزيد


الذاكرة المثقوبة حقل من الألغام

كانون الأول 24th, 2008 كتبها زياد جيوسي نشر في , قراءات سينمائية

sandra

 

الذاكرة المثقوبة حقل من الألغام

بقلم: زياد جيوسي

   مساء الأحد الرابع عشر من كانون الأول لهذا العام، وجهت دعوة لي من أصدقاء للذهاب إلى قاعة المدينة في عمّان حاضرة الأردن، لحضور فيلم وثائقي للمخرجة ساندرا ماضي يحمل اسم الذاكرة المثقوبة، وحقيقة حين ذهبت توقعت حضور فيلم يعالج قضايا غير فلسطينية، ولكني فوجئت بأن الفيلم يعالج قضية فلسطينية حساسة، فهمست لمن معي: آتي من رام الله لأجد همنا الوطني يرافقني حتى في قاعة عرض للسينما.

   الفيلم يعالج قضية حساسة وهي قضية المناضلين القدامى الذين قضوا جل أعمارهم في العمل النضالي المسلح، وغالبيتهم قد كبروا في العمر حاملين على أجسادهم أثر المعارك التي خاضوها، وقسم منهم فقد أجزاء من جسده، وقسم يحمل جسده جروحاً كثيرة، وجلهم أصبحوا بسبب ذلك غير منتجين أو غير قادرين على الإنتاج وخاصة أنهم كبروا في العمر، ولم يعد لهم وسيلة للعيش إلا ما تقدمه مؤسسات الثورة الفلسطينية لهم من رواتب أو مساعدات.

   وللوصول إلى هذه الفكرة تقدم المخرجة أنموذجين هامين ما زالوا في الذاكرة النضالية، أحد أبطال عملية الدبويا في الخليل، والمناضلة تريز هلسه التي اختطفت طائرة إسرائيلية، وكلا الأنموذجين يتحدث عن جانب بسيط من تفاصيل حياته وتجربته النضالية، وأعتقد هنا أن استخدام هذه النماذج، كان يهدف لتسليط الضوء أن باقي النماذج في الفيلم هم أيضا أناس مناضلين لهم تجربة وبطولات، وإن لم تسلط الأضواء عليهم.

   في مبنى بائس الأثاث وبالغ القدم يتم تصوير معظم أحداث الفيلم، هي بناية كانت عبارة عن دائرة الوطن المحتل في جبل الحسين في عمان وحسب علمي أن الدائرة أغلقت وجرى توزيع العاملين فيها على دوائر أخرى بعد إنشاء السلطة الفلسطينية، وبهذا ربما يكون ما تبقى منها هو اليافطة القديمة، إضافة لمواقع أخرى لعلها أكثر بؤساً باستثناء مكتب واحد تظهر فيه معالم مكتب فاخر لمسئول، وتدور الكاميرا بين أعداد من الأشخاص الذين يتحدثون عن تجربتهم وعن معاناتهم، ولعل المشاهد الأكثر حساسية هي مشهد هؤلاء المناضلين القدامى وهم يتدافعون للحصول على مبالغ تافهة تتراوح بين عشرة وعشرون دينارا، هي عبارة عن مبالغ جرت العادة على توزيعها بمناسبة الأعياد، وهذه العيدية التي يستلمها المحظوظون ممن تنـزل أسمائهم في الكشوفات عادة قديمة وسيئة، فهي تحيل المناضلين إلى مشهد أشبه بمشهد المتسولين كما نقلتهم الكاميرا، وتعبر تريز هلسة من خلال الدموع عن ألمها لما يجري، فتخاطب صورة أبو عمار وتقول له لوكنت موجودا لما جرى ذلك، وتقول له أنك لا تعرف وتعود تقول أنه يعرف، و

المزيد


صباحكم أجمل\ الرواد وكارفان وذاكرة السينما

أغسطس 20th, 2008 كتبها زياد جيوسي نشر في , قراءات سينمائية

المتحف الوطني الأردني للفنون الجميلة

بعدستي

121921

صباحكم أجمل\ الرواد وكارفان وذاكرة السينما

زياد جيوسي

   صباح آخر من صباحات عمّان يحمل نسمات حارة تملأ الأجواء، أجلس لشرفتي الصغيرة حيث تتسلل من بين أوراق العنب نسمات أكثر لطفا من الجو الخارجي، أحتسي قهوتي بهدوء على نغمات وشدو أغنيات فيروزية، أحن معها لرام الله التي كان من المفترض أن أكون في أحضانها اليوم، لكن حدثا طارئا أجل من عودتي، حدث يحمل في ثناياه جمالا وفرصة للتذوق السينمائي، فمساء الأحد الماضي كنت على موعد مع افتتاح مهرجان كارفان السينما العربية الأوربية، والذي تشرف عليه الرواد للصوتيات و المرئيات، فقد بادرتني الصحفية المتميزة سميرة عوض بالاتصال لحضور المهرجان السينمائي وتقديم الأفلام الفلسطينية التي ستعرض فيه، فوافقت على التأخر في عمّان بعد تردد، وشعرت بعد ذلك بأني لو غادرت لفقدت فرصة طيبة من الجمال.

   السينما كانت عشقا منذ الطفولة، وفي الحادية عشرة من صباح السبت كنت مدعوا لحضور المؤتمر الصُحفي لإعلان فعاليات المهرجان، في مركز الحسين للفنون في رأس العين، فأتيح لي أن أرى تغيرا هائلا في هذه المنطقة، فهنا لم يكن إلا نبعة الماء التي كانت تشكل الرافد الأساسي لسيل عمّان الذي جف مع الزمن، وكانت تحيط به بيوت طينية مختلفة كانت تشكل حي المهاجرين، إضافة للأشجار الضخمة، لكنه الآن أصبح مساحة مشغولة بمعمار جميل وحديث، يضم قاعة عمّان ومركز الحسين للفنون، ومساء الأحد كنت في رحاب الهيئة الملكية للأفلام في جبل عمان، لحضور حفل الاستقبال قبل عرض الفيلم الأول في انتظار بازوليني للمخرج المغربي داود أولاد سيد، والذي وُفقت إدارة المهرجان باختياره، وقفت من هناك أطل على عمان الشرقية وجبل الأشرفية الذي شهد بعض من طفولتي وصِباي، فاستعدت ذاكرة سكننا وأنا طفل لم يتجاوز السنوات الأربعة بالقرب من هذا المكان في شارع الملفوف وفي شارع خرفان، حين كانت عمّان اصغر بكثير حتى أنها لا تقارن بعمّان اليوم، وبدأت ذاكرتي تعمل بسرعة مستعيدة ذاكرة السينما منذ الطفولة، وشعرت بالفَخار أن يكون هناك الآن في عمّان الهوى مؤسسات تهتم بالسينما وتعمل على رعايتها، فأمانة عمان والمتحف الوطني الأردني للفنون الجميلة من الداعمين لهذا المهرجان، إضافة للهيئة الملكية الأردنية للأفلام، وأعتقد أنه حين تكون صفة الملكية للهيئة، فهذا يعني اهتماما على أعلى المستويات بدأ يتجه للسينما.

   ذاكرة السينما تمتد في عمّان إلى الطفولة، فأول دار عرض تمر كلمحات في ذاكرتي كانت في شارع مأدبا بعد قيادة البادية مقابل مخيم الوحدات، كان ذلك في أواخر خمسينات القرن الماضي، وكنت أتردد عليها برفقة خال لي ي

المزيد


حماس أسفل فلسطين.. فيلم: لوفاء جميل

حزيران 22nd, 2008 كتبها زياد جيوسي نشر في , قراءات سينمائية

121411

حماس أسفل فلسطين.. فيلم: لوفاء جميل

بقلم: زياد جيوسي

 

   كان عنوان الفيلم في البداية هو ما أثار في ذهني التساؤلات حول المعنى خلفه، ومن يشاهد الفيلم يخرج باستنتاج واضح، أن الكل أسفل فلسطين، وفلسطين فوق الجميع، ولا أحد من الفصائل فوق الوطن وفوق فلسطين، وفي ظل التمزق الذي ساد فلسطين عبر العامين الماضيين، منذ إجراء الانتخابات التشريعية الثانية، وفوز حركة حماس بأغلبية مقاعد هذا المجلس، في ظل الاحتلال الإسرائيلي لكل فلسطين، وسيطرة على كافة منافذ قطاع غزة، سيطرة على المعابر والأجواء والماء والغذاء، في ظل الرعب والقتل وتكميم الأفواه، تمزق النسيج المجتمعي والنضالي والوطني، في ظل ارتفاع صوت الفصائلية المقيت على حساب صوت الوطن والمواطن، في ظل تمزق العلم الوطني الفلسطيني الذي حملته الأجيال عبر سنوات النضال الطويلة من مراحل كفاح الشعب الفلسطيني، ليحل مكانه العلم الفصائلي، في ظل هذه اللوحة الحزينة ورياح السموم التي هبت على الوطن، فأحيت النـزاعات الجاهلية في ظل غياب الوعي، جاء هذا الفيلم ليشكل مغامرة حقيقية لوفاء جميل، في الوقت الذي كممت الأفواه ورفعت الأقلام وجفت الصحف.

   وفاء جميل في فيلمها الرابع الذي أشاهده، أراها تنتهج منهجا مخالفا عما سبق، فأفلامها السابقة البيت المفقود والجذور وأبناء إبراهيم، كانت تبحث عن الجذور، لتنتقل من الجذور إلى الواقع، فهل قادتها رحلة البحث عن الجذور، وبحثها عن بيتها المفقود، إلى هذا الواقع المر الذي نحياه في وطننا؟

   هذا هو السؤال الذي جال في نفسي وأنا أحضر فيلمها الوثائقي، فيلم امتد على مدى خمسين دقيقة، اعتمدت فيه المخرجة على بعض من أشرطة وثائقية مثبتة بثتها وسائل الإعلام، وشخوص رئيسة ترافقها المخرجة في نواحي حياتها، نشاطها اليومي وعملها، إضافة لأخرى فرعية تعبر عن وجهات نظر عفوية في الأحداث التي سادت الوطن المحتل، فاكتوى الوطن بنارها، ودفع المواطن الثمن من دمه ولقمة عيشه وما زال، وكان المستفيد الوحيد وما يزال هو العدو الإسرائيلي.

    كعادة وفاء في أفلامها، تعتمد على الصورة الرمز، تاركة للمشاهد أن يلتقط المعنى خلف هذه المشاهد، وقد بدأت فيلمها بهذه المشاهد الرمزية، فالفيلم يبدأ بلقطات لبداية يوم عمل لشخوص الفيلم الرئيسة..

   السيدة تغريد أبو حمده تستعد للخروج إلى عملها فتضع بعض من الماكياج، فتلتقط الكاميرا صور علب الماكياج بألوانها المختلفة، وكأنها تريد أن تقول لنا: لا يمكن للمجتمع أن يكون بلون واحد لا غير، فالتعددية هي التي تعطي لأي مجتمع وجهه الجميل، وتنتقل في الكاميرا إلى مشهد إعداد القهوة وسكبها في فنجانين، فالقهوة هي البداية الصباحية تقريبا لأي مواطن قبل أن يبدأ عمله.

   تنتقل عدسة التصوير إلى الشخصية الرئيسة الثانية في الفيلم، السيدة سلوى هديب وكيل وزارة شؤون المرأة في السلطة الفلسطينية، وهي تعبر معبر قلنديا الذي زرعته إسرائيل لتفصل القدس عن رام الله والمناطق المحيطة بها، فتمر المعبر كأي مواطن عادي سيرا على الأقدام، فالاحتلال لا يمنح مزايا خاصة، لتصل إلى سيارتها في الجانب الآخر، فتستعيد صورة المسئول، حيث يقوم السائق يفتح باب السيارة لها لتجلس، ثم يلتف ليسوق بها إلى مكان عملها، وصورة الجدار الذي يلتهم الأرض ويمزقها، تبرز بلونها الرمادي الأسمنتي وأبراجها العسكرية المدججة بالسلاح، التي لا يرحم رصاصها مواطنا فلسطينيا بغض النظر عن لون رايته.

   مروان العلان التشكيلي والكاتب الفلسطيني، هو الشخصية الرئيسة الثالثة في الفيلم، نراه في مرسمه يرسم مآذن مساجد بجوار قبة الصخرة الشريفة.

   تنتقل عدسة التصوير مباشرة إلى صورة لممارسة المواطنين حقهم في انتخابات المجلس التشريعي الثانية، ومن ثم إلى صورة لأطفال يحملون رايات حركة فتح والأعلام الفلسطينية ويهتفون باسم فتح، وصورة أخرى لأطفال يحملون راية حماس وشعاراتها ويهتفون لها، بدون وجود علم وطني واحد، ومن ثم مشهد لرجال حركة حماس في مسيرة كبيرة يحملون رايات حماس وأعلامها، ومن ثم رفع راية حماس بديلا للعلم الفلسطيني على مبنى المجلس التشريعي بعد فوز حماس بالانتخابات، مما أدى إلى حدوث اشتباكات بين مؤيدي حما

المزيد


خمس دقائق عن بيتي

حزيران 15th, 2008 كتبها زياد جيوسي نشر في , قراءات سينمائية

 121349

خمس دقائق عن بيتي

فيلم من إخراج: ناهد عواد

بقلم: زياد جيوسي

   ما بين ألم وأسى وعدسة رسمت ذاكرة لأجيال لم تعرف مطار القدس، بما فيها ناهد عواد نفسها، وهي التي ولدت بعد الاحتلال بخمس سنوات، كانت مشاهد هذا الفيلم تتدفق أمامنا عبر اثنان وخمسون دقيقة، ففي هذا الفيلم الوثائقي الطويل نسبيا مقارنة بالأفلام التي أعتدنا أن نراها، كانت ناهد تتألق بالتصوير وربط الحدث، وحقيقة حين ذهبت لمشاهدة الفيلم في عرضه الأول في فلسطين، لم أكن أتوقع أن أجد هذا الكم من الحضور، وهذا الكم من المشاعر التي اجتاحتني وأجزم أنها اجتاحت الحضور.

  دوما وفي الأفلام الوثائقية على الساحة الفلسطينية، لم أكن أعتبر أبدا أن حجم الجمهور في العرض الأول دلالة على النجاح، فمن الممكن من خلال العلاقات الشخصية للمخرج أن يجمع عددا كبير يملأ الصالة، ولكن كنت اعتبر أن تعليقات الجمهور العفوية التي تلتقطها أذني بعد العرض، هي المؤشر الأهم حول نجاح الفيلم من عدمه، وهذه التعليقات التي سمعتها وهي تعبر عن الاستحسان كانت مؤشرا هاما، فقد صادف أن جلست فتاة إلى جوار مقعدي، لم تتمالك نفسها أن تهمس لي بين مشهد وآخر: هكذا حدثني أبي عن المطار، وفي عيون الجمهور الأكبر سنا كنت أرى أثار دمع وألم، وإن لم أعتمد يوما بالتقييم على المناقشات التي تجري أحيانا في صالة العرض مع المخرج بعد العرض، فهذه المناقشات عادة تحمل روح الاستعراض والاستفزاز، وتضع المخرج وكأنه في قفص الاتهام، فحمدت الله أنه لم تجري مناقشة بعد العرض وربما بسبب تأخر بدء العرض للفيلم.

 121349

   بدأ الفيلم بعرض صور فوتوغرافية للمطار وأشخاص عملوا به أو مروا من خلاله، على خلفية أغنية ناعمة باللغة الانكليزية تتحدث عن حقول خضراء كانت هنا وذهبت، وتنقلت الكاميرا بين هذه الصور ومشاهد حالية للمطار، فنشاهد بقايا مطار مهمل، لا يكاد المار من هناك أن يدرك أنه كان هنا مطار يعج بالحياة، سيارات محطمة، أعشاب تملأ المدرج المحطم، قمامة وقطط وحيوانات وكلاب ودوريات إسرائيلية، تجتمع معا في تخريب مشهد يقول: هنا كان مطار القدس.. هنا كان درة المطارات في المنطقة، وهذا ما فعله الاحتلال به وبنا، فالمطار شاهد حي على مأساة ما زالت فصولها مستمرة، فيعلو صوت الآذان الله أكبر الله أكبر، دلالة على هوية المطار والأرض والقدس.

   اعتمدت المخرجة أسلوب يبتعد عن السرد، أسلوب استدعاء الذاكرة من شخوص عرفوا المطار، فكانت هناك عدة شخصيات رئيسة في الفيلم تستدعي ذاكرتها وتتحدث عن هذه الذكريات بين الم الواقع وبين لمحات الفرح في العيون وهي تستعيد لحظات جميلة، مما أضفى على الفيلم بعضا من الفكاهة في أحاديث من تحدثوا أحيانا، وأثارت الدموع في المآقي حينا آخر.

   نورما حويط.. س

المزيد


-مغارة ماريا-فيلم للمخرجة الفلسطينية: بثينة كنعان خوري

كانون الأول 2nd, 2007 كتبها زياد جيوسي نشر في , قراءات سينمائية

 

"مغارة ماريا"

فيلم للمخرجة الفلسطينية: بثينة كنعان خوري

بقلم: زياد جيوسي

   حين كتبت مقال سابق عن تجربة السينما الفلسطينية واعتبرتها صراع ضد الأمواج، اخترت المخرجة الفلسطينية بثينة كنعان خوري أنموذجاً يمثل هذا الصراع، وحينها لم أكن قد التقيت بالمخرجة بثينة سابقاً، وحين سألني البعض عن سبب اختياري لها كأنموذج والساحة تموج بالمخرجين، إضافة لمن أطلقوا على أنفسهم هذا اللقب، وبغض النظر عن دوافع السائلين كنت أقول: تعجبني كمراقب جرأة هذه المخرجة، واختراقها للخطوط الحمراء في أعمالها، فهي أنثى في مجتمع للهيمنة الذكورية دورها وتأثيرها الكبير عليه، وهي بدأت عملها السينمائي في فترة الانتفاضة الأولى، في الوقت الذي كانت تحرق به دور السينما، بتأثير الفكر المحدود والضيق الذي بدأ يغيّم على أجواء فلسطين، وهي تقترب وتخترق الخطوط الحمراء بقوة بقضايا يعتبر الخوض فيها من المحرمات.

    وخلال مهرجان القصبة الدولي الثاني للسينما في مدينة رام الله، أتيح لي متابعة العديد من الأفلام الدولية والعربية والفلسطينية، وكان هذا الفيلم من الأفلام التي شدتني للكتابة عنها بقوة، وقد جاء فيلم "مغارة ماريا"، ليؤكد صحة الفكرة التي كونتها عن بثينة خوري من قبل أن التقي بها، ويؤكد هذه الفكرة التي رسخت في ذهني حين تعرفت عليها، فهذا الفيلم تحدث عن قضية هامة وحساسة يواجهها المجتمع، ألا وهي قضية جرائم القتل للنساء على خلفية الشرف، وهذا موضوع يعتبر الخوض فيه من المحرمات، وكما جاء على لسان أحد شخوص الفيلم وهي سيدة أنها قالت: الأرض والعرض أغلى ما نملك.

   ومن الجدير بالذكر أن المخرجة تعرضت للتهديد أثناء الإعداد لهذا الفيلم، حين تصويرها مشهد لحرق مجموعة من البيوت على خلفية جريمة شرف، تعرضت لتحطيم كاميراتها والتهديد بحرق بيتها وبيوت أهلها، لذا لم يكن من السهل إخراج هذا الفيلم، في الوقت الذي يندر أن نجد من له علاقة بهذه القضايا ويقبل بالتحدث عنها، فبعد جريمة القتل التي تحدث وتعتبر في نظر الغالبية غسل للعار، لا أحد عنده الرغبة بمجرد الحديث عن هذا الموضوع، وخاصة أهل القاتل والقتيلة، فالكل يريد أن ينسى الموضوع ولا يريد أن يتذكره، وضمن العلاقات العشائرية وعلاقات الجوار، لا أحد أيضاً لديه الاستعداد للحديث والمناقشة، فهذا النمط من الجرائم خط أحمر لا يجوز الاقتراب منه أبداً، فصفحة العار كما تسمى قد طويت، والقاتل غسل شرفه، والقتيلة كأنها لم تكن ولا تبقى في الأذهان إلا كعبرة لغيرها، وحتى قبرها يكون مجهولاً ولا توضع الشواهد عليه، والجميع تقريباً يمارس عملية التستر على مثل هذه الجرائم، بما فيها القانون الرسمي والعرف العشائري، وهذا يدلل على حجم الصعوبات التي تواجه من يريد أن يخوض في هذا الموضوع، وحجم الجرأة والتحدي لدى المخرجة بثينة، فهي لم تسلم من التهديد حتى بعد عرض الفيلم كما في فترة إعداده.

   قبل بداية الفيلم وقفت المخرجة أمام الجمهور وتحدثت قليلاً وقالت: "نحن نتاج للمجتمع الذي نعيش فيه، والموضوع الذي يتحدث عنه الفيلم من قضايا المجتمع التي يتم تجاهل الحديث عنها، وقد واجهت صعوبات كثيرة خلال العامين الذين استغرقهما إنتاج الفيلم"، وأعتقد أن هذه المقدمة أعدت الجمهور مسبقاً لاستيعاب فكرة الفيلم، والاستعداد النفسي للمشاهدة والمحاورة بعد العرض.

   بدأ العرض بمشهد عام لبلدة جميلة، وهي أنموذج من بلدات الوطن، بلدة تتميز بجمالها وعراقتها التاريخية ومبانيها القديمة، تتعالى أصوات دقات أجراس الكنيسة، في مشهد رمزي وكأن البداية هي دعوة للتطهر من الأدران، أو دق ناقوس الخطر لاستشراء هذه الجرائم وانعكاساتها السلبية على المجتمع، مشاهد لأوراق تتطاير بفعل الهواء في الشارع، وكأن المخرجة أرادت أن تقول للمشاهد: يجب أن تطير هذه القضايا من مجتمعنا وتذهب في مهب الريح كما هذه الأوراق، مشهد لامرأة تنشر الغسيل على سطح بيتها وغير محجبة، مشهد آخر لامرأة محجبة تجر عربة فيها طفل، والطفل يرمز لجيل قادم لعله من يتمكن من إسدال الستار على مثل هذه الجرائم، كما أن مشهد المرأتين يشير إلى أن الحياة تسير والتعايش القائم في المجتمع لا بد أن يستمر، بين شقي أهل الوطن بمسيحييه ومسلميه، رجل يتفنن بنقش الحجارة الخاصة بالبناء،

المزيد


أبو الريش و دائما إتطلع بعيونهم

تشرين الثاني 2nd, 2007 كتبها زياد جيوسي نشر في , قراءات سينمائية

 

 

 

أبو الريش و "دائما إتطلع في عيونهم"

بقلم: زياد جيوسيِ

   "دائما إتطلع في عيونهم"، هو عنوان الفيلم الذي أخرجته المخرجة الشابة عزة الحسن، وقد أثار هذا الفيلم الرغبة في الكتابة عنه، فحقيقة هناك الكثير من القضايا التي أثارها في ذهني، فقد تم تقديم الفيلم بالفقرة التالية "فيلم وثائقي يناقش مستويات الاتصال التي يستخدمها الفلسطينيين مع الإسرائيليين. يركز الفيلم على قصة جاسوس إسرائيلي يتجول في شوارع بيروت متظاهرا بالجنون، خلال عيشه بين الفلسطينيين واللبنانيين فانه يحطم إحدى قواعد الحرب الرئيسة التي تمنع الاتصال في وقت الصراع".

   وفي الحوار بعد العرض اختصرت المخرجة الطريق على المشاهدين بقولها: "لا أؤمن أن الفيلم يجب أن يكون له رسالة، أنا اخرج الفيلم واترك لكل من يشاهده أن يفسر وأن يستنتج ما يريده". ومن هنا وجدت أنه لدي الرغبة بالحديث عن هذا الفيلم من خلال مناقشة تقديم الفيلم وفكرته في البداية، فالفيلم يقوم أساساً على "أسطورة" أبو الريش كنموذج لفكرة الفيلم، وأبو الريش شخص عرف عنه أنه معتوه ومجنون، ظهر في شوارع بيروت فجأة بملابسه الغريبة وبنيته الضخمة، وكعادة أهل المدن لم يتساءل عنه أحد، فهذه الظاهرة ليست غريبة أبدا، فاذكر أنه بعد نكسة حزيران ظهر شخص في عمان أيضا، كان يرتدي دوما ملابس جلدية باللون الأخضر، ويحمل آلة قديمة لجعل السكاكين والمقصات أكثر حدة، لم يكن يتكلم مع أحد أبداً، يمارس مهنته بصمت وبدون كلام، ويأخذ ما يدفعه له الناس بدون مناقشة، وكان الناس يلقبونه "الخضر الأخضر" بسبب ملابسه الغريبة، المهم أن هذا الشخص اختفى فجأة كما ظهر، وراجت الإشاعات وخلقت منه أسطورة في الأذهان، فقيل أيضا أنه جاسوس إسرائيلي، وقيل ذات يوم أنه سيعدم في ساحة المسجد الحسيني في عمان، حتى أن الإشاعة حددت الوقت للتنفيذ، وتدافع الناس للمشاهدة ولم يجدوا شيئاً، ولم تتوقف الإشاعات أبداً، وحتى قبل سنوات كنت ألتقي بعض من كبار السن الذين يذكرون هذه الإشاعة، ولكنهم يصرون أنها حقيقة مطلقة، وأن "الخضر الأخضر" جاسوس جرى إعدامه سراً، وهناك من نسج خيالة قصة أخرى، فقال انه جرى تبادله مع أسرى الجيش الأردني في نكسة حزيران.

   أسوق هذه القصة التي عايشتها للانطلاق إلى "أسطورة أبو الريش" التي استند عليها الفيلم، فكل ما أضيف على شخصية أبو الريش، أجزم انه لم يكن إلا من نسج الخيال الشعبي، فالمذكور جرى التحقيق معه أكثر من مرة بسبب الشك في شخصيته، ولم يتبين أي شيء يخصه، سوى أنه مجنون ومعتوه، وكان قد أقام له "عريشة" في منطقة المنارة، لا تقي من حر صيف ولا من برد شتاء، كان يجول الشوارع في منطقة الحمراء وفردان والرملة البيضاء، يأكل مما يتصدق به عليه الناس، تختل لديه قدرة الإحساس بحكم فقدانه العقل، فتراه في الصيف الخانق والمشبع بالرطوبة يرتدي المعاطف الثقيلة ويشعر بالبرد، وفي الشتاء القارص يتخفف من ملابسه ويشعر بالحر، وهذا يذكرني بمجنون آخر ظهر في عمان أيضا بنفس المواصفات الجسدية ونفس السلوك، واختفى فجأة أيضاً، ودارت حوله الإشاعات عن سر اختفائه، فمن يدري فربما كان هو نفسه أبو الريش، وحين اختفى أبو الريش في بداية الاجتياح سرت الإشاعة، وهناك من أكد أن أبو الريش شوهد بلباس جنرال في الجيش الإسرائيلي ويقود قوة عسكرية، وأصبحت هذه الإشاعة حقيقة في الأذهان، فنجد أكثر من شخص في الفيلم يؤكد هذه القصة، ويستند إليها للتدليل على الاختراق الأمني للعدو الصهيوني لبيروت قبل الاجتياح، ولو ناقشنا بمنطق عقلي أنفسنا لوجدنا أن القصة تنفي نفسها بنفسها، فلو كان أبو الريش جاسوساً فهو سيكون ضابط مخابرات وليس ضابطا في الجيش، وضابط المخابرات لا يقود قوات عسكرية في معركة شرسة، بالكاد يقودها الضباط المحترفين، ومهمة ضابط المخابرات أن يحصل على المعلومات فقط وإحالتها لقيادته، التي تدقق فيما يمكن الاستفادة منه وإحالته إلى القيادة العسكرية، هذا من جانب..ومن جانب آخر فإن العمل العسكري يحتاج إلى ما يسمى عملية إعادة التنشيط للقدرات والمعلومات العسكرية باستمرار، وهذا النظام معمولا فيه في دولة العدو، فنجد أن قوات الاحتياط ملزمة بالخدمة مدة شهر في العام، في عملية إعادة للتأهيل والبقاء على تماس مع تطورات الجيوش، فكيف يمكن لشخص مثل أبو الريش يغيب سنوات طوال في مهمة تجسس، وبعدها يقود قوة عسكرية مباشرة وبدون إعادة تأهيل ؟

   وقد سألت العديد ممن كانوا في بيروت بفترة الحصار، ومنهم من هو شخص متقدم بالقيادة السياسية في هذه الفترة، وكان قائد ميدانياً أثناء حصار بيروت، وأكد لي أنه شاهد أبو الريش في منطقة الحمراء بفترة الاجتياح، وأكد لي ضابط قريب جدا مني وكان من القادة الميدانيين أيضا، أن أبو الريش كان يتواجد دوما في منطقة فردان والرملة البيضاء، ولم يشاهد أبداً في مربع الفاكهاني وهو مركز المقاومة الفلسطينية في بيروت، فما المعلومات القيّمة التي يمكن أن يحصل عليها شخص بمثل هذا الوضع ؟..أعتقد جازماً أننا خلقنا هذه "الكذبة" وصدقناها وحولناها إلى أسطورة، لنبرر كم المعلومات التي يمتلكها العدو عنا، بحيث أنه قصف أكثر من بناية تواجدت فيها القيادة الفلسطينية، وبشكل خاص الرئيس الشهيد أبو عمار، ولكن يصدف أن الرئيس يكون قد غادر قبل القصف، بدقائق لا تسمح بإيصال المعلومة الجديدة من الجواسيس، وقد يكون أبو الريش قد قتل في القصف الشديد، ودفن في المقابر التي يدفن بها الموتى المجهولين، بدون أن يشعر به أحد في ظل المعارك والقصف الجوي والبري والبحري الهائل، فما زال العديد من الأشخاص مصنفين كمفقودين، فلم يعرف أنهم قتلوا أو اسروا، وما زال أهاليهم

المزيد


السينما الفلسطينية.. صراع ضد الأمواج

أيلول 22nd, 2007 كتبها زياد جيوسي نشر في , قراءات سينمائية

السينما الفلسطينية.. صراع ضد الأمواج

المخرجة "بثينة كنعان الخوري" أنموذجا

 بقلم: زياد جيوسي

   لم يكن دخول المرأة إلى عالم السينما الفلسطينية معجزة كبيرة، فالمرأة الفلسطينية تميزت بمشاركتها الرجل في كافة ميادين النضال، ومن يتابع الحركة النسوية الفلسطينية، يجد أن المرأة الفلسطينية شاركت وما زالت تشارك، منذ بدايات القرن الماضي، جنباً إلى جنب مع الرجل.

  لكن أردت بهذا المقال الإشارة إلى المصاعب التي تواجهها السينما الفلسطينية عموما، ووجدت في المخرجة بثينة الخوري أنموذجاً، وحالة تمثل من خلال مسيرتها هذه المصاعب، فهي من الجيل الشاب الذي تفتحت عيناه على عالم السينما في ظل الاحتلال، ولم يعايش السينما الفلسطينية عبر تاريخها خصوصاً مرحلة تواجد الثورة الفلسطينية في لبنان. من هنا نجد أن الجيل الشاب انطلق بمسيرته بعيداً عن مؤسسات الثورة الفلسطينية، وفي مرحلة حاسمة من مسيرة الشعب الفلسطيني، فمعظم هذا الجيل السينمائي نبت وترعرع في ظل دخول السلطة الفلسطينية إلى الوطن إثر اتفاقات أوسلو، ومن هنا تميزت مسيرة بثينة الخوري، فهي بدأت مسيرتها في ظل الاحتلال وقبل وصول السلطة الفلسطينية إلى الوطن، ومعروف حجم المعيقات التي يضعها الاحتلال أمام المواطن العادي، فكيف أمام المبدعين الفلسطينيين، ففي فترة إعدادها فيلمها التسجيلي الأول الطويل"نساء في صراع"، واجهت معيقات الاحتلال الكبيرة، وتقول بثينة عن تلك العقبة: " أردت أن يكون لدي إمرأة محتجزة سابقة من غزة، لكن كما هو معروف، فالسلطات الإسرائيلية تمنع التنقلات بين الضفة الغربية وغزة، أردت أن تتكلم في فيلمي سجينة داخل السجون الإسرائيلية ولدت للتو مولودها الأول هناك، وكلت محامية إسرائيلية، لكن كل الطلبات رفضت. استمرت هذه المسألة ستة أشهر".
  وهذه ليست العقبة الوحيدة، فالمخرجة بثينة الخوري واجهت كماً من المعيقات دفعتها للصراع ضد الأمواج، ففي الانتفاضة الأولى وجدنا منطقاً يسود بالقول: "عندما توجد الانتفاضة، فإن كل شيء يصمت أمام الألم". تقول بثينة عن هذه المرحلة في أكثر من مقابلة صحافية أجريت معها: "أغلقت دور السينما بعد قليل من بداية الانتفاضة الأولى العام 1987، حسب رأيي كان ذلك خطأً كبيراً، كان التفكير السائد في ذلك الوقت أنه لا يمكن أن نتسلى بينما الناس يقتلون. للأسف انتشر هذا المنطق والبعض وصل إلى أقصى الحدود، أحرقوا سينما في غزة.. وهكذا أصبحنا أفقر ثقافيا،. الفن لا يجب أن يصمت في أي ظرف، على العكس من ذلك، يجب أن تؤلف وسيلة جديدة لمقارعة الاحتلال، ويجب أن نعرض الانتفاضة كعمل فني لمجتمع متكامل"، مضافاً إلى ذلك العقبات الاجتماعية المتعددة، ففي إحدى المقابلات الصحفية نجد سؤالا يوجه إليها حول عدم اختيارها نساء محجبات في فيلمها "نساء في صراع"، وهو سؤال يدلل على شرخ اجتماعي بدأ يسود المجتمع الفلسطيني، فتجيب بثينة: "لقد أردت أن أظهر الوجهة الأخرى لفلسطين، تلك التي يغيبها الإعلام في العالم الغربي بشكل ممنهج: المرأة دون حجاب، لأن المواطن في العالم الغربي يجب أن يفهم أن النساء لدينا لسن فقط المحجبات، والحجاب ليس علامة تأخر كما يصورونه، لكن هناك نساء يناضلن دون أن يلبسن الحجاب، وقد تعرضن للتعذيب ولا زلن يعانين إلى الآن، ولا يعتبرهن العالم الغربي حتى محررات، في العالم الغربي يبحثون عن ذرائع لتجاهلنا".

   وفي الفيلم نفسه تواجه المخرجة عقبات أخرى حتى من الأسيرات السابقات، فالكثير منهن، وبتقديري لأسباب اجتماعية بحتة، يرفضن فكرة الظهور أمام الكاميرا والتحدث عن المعاناة والتجربة القاسية التي تعرضن لها، فقضايا مثل الاغتصاب والإساءة الجسدية وتعرية المرأة من قبل المخابرات الإسرائيلية في التحقيق، ما زالت بعرف الكثيرين وبحكم العادات والتقاليد لا يجوز التحدث عنها، ويعتبرونها قضايا تمس بالشرف وتخدش الحياء، وتقول بثينة رداً على هذه ا

المزيد


فيلم "البيت المفقود" لوفاء جميل.

تموز 28th, 2007 كتبها زياد جيوسي نشر في , قراءات سينمائية

 

فيلم " البيت المفقود "

 لوفاء جميل

 

   الفلسطيني الذي طرد من أرضه ووطنه لم يتمكن منه النسيان، هي ذاكرة المواطن في الشتات وفي المنافي والمخيمات، حافظ عليها وورثها لأبنائه كما ورثهم مفتاح الدار الذي يحنّ إلى فتح الباب الذي افتقده، والفلسطيني يعلم أن بيته قد تهدم وقامت مكانه المستوطنات التي ضمت شذاذ الآفاق الذين انسلّوا من كل حدب وصوب، فاستولوا على الأرض المقدسة واحتلوها، والبيوت التي لم تهدم وغالبيتها في المدن سكنها الغرباء…

   لكن الذاكرة الفلسطينية لم ولن تنسى، وفيلم البيت المفقود أنموذج إنساني يروي القصة، قصة الطفلة التي لم تعرف مدينتها عكا، هذه المدينة التي صمدت أمام حصار نابليون بونابرت، وحين عجز عنها قذف قبعته من فوق الأسوار، قائلاً عبارته المشهورة: " إن لم يدخل نابليون عكا، فقبعته قد دخلتها "، فعكا التي تميزت بأسوارها وبالبحر الذي تقف شامخة على شاطئه، وكأنها أسد غابةٍ يحمي غابته، كان لها في الموروث الشعبي الشيء الكثير، فدخلت الذاكرة الفلسطينية عبر الأجيال، كما دخلت الأمثال الشعبية، فما زال المثل الشعبي متداولاً "لو خافت عكا من هدير البحر ما سكنته".

   البيت المفقود يروي قصة بيت غادره الأب والأم، حاملين معهم الذكريات والمفتاح إلى مخيمات اللجوء في قطاع غزة، فحملت الابنة وفاء جميل العهد وحافظت عليه، فكان هذا الفيلم الذي يروي قصة وفاء جميل وهي تبحث عن بيتهم المفقود..

   "يجب أن أجد البيت الذي في عكا، هكذا أوصاني أبي".  هكذا يبدأ الفيلم الذي أخرجته وفاء وهي تقف على مشارف عكا، إذاً هي وصية الآباء للأبناء، والأبناء لأبنائهم، إنها قصة التشبث بالحق المغتصب مهما طال الزمان، إنه الإيمان بالحق وعدالة القضية، إنه الذاكرة التي لا تنسى وتطبق المثل القائل "ما بموت حق وراه مطالب".

   كيف يمكن العثور على البيت المفقود، وهذه الشابة الصغيرة في العمر لم تعرف البيت ولم تكن مولودة لا في نكبة (1948) ولا في هزيمة (1967) ؟ ..إنها الذاكرة التي سمعتها من أهلها الذين لم ينسوا بيتهم، وهي وصية الوالد الذي انتقل إلى العالم الآخر وهو يحلم بالعودة إلى بيته، أو عودة أبناءه إليه المخرجة التي أصرت أن تكون هي نفسها التي تقوم بالدَّور، فهي تشعر أن لا أحد من حقه أن يقوم بالبحث عن بيتها غيرها، إنها وصية الأب الحنون في البحث عن البيت والعودة، فهي مخرجة، ولكنها في عملية البحث لا تقوم بالتمثيل، إنها تقوم بالمهمة المقدسة، ومن هنا لم تكن هناك مشاهد تمثيل بمقدار ما هي أحاسيس ومشاعر حقيقية.   تعتمد وفاء على ذاكرة الأهل أن البيت قرب مسجد الجزار ومكون من طابقين وساحة كبيرة، إضافة إلى ذاكرة الحاجة التي استشهد أخوها في حيفا، وكيف تمت مغادرة البيوت تحت وطأة النيران وعمليات القتل التي مارسها الاحتلال

المزيد


أبناء ابراهيم .. فيلم من اخراج وفاء جميل

حزيران 11th, 2007 كتبها زياد جيوسي نشر في , قراءات سينمائية

 p10000

أبناء إبراهيم

فيلم من إخراج وفاء جميل

بقلم: زياد جيوسي

 

   بداية لا بد من الإشارة إلى أن هذا الفيلم الذي أخرجته المخرجة الفلسطينية وفاء جميل، وهو الفيلم الرابع من إخراجها، والثاني الناطق باللغة الإنكليزية، إضافة لكم كبير من البرامج الوثائقية، دفعني لطرح سؤال منذ البدء وقبل مشاهدة الفيلم.. سؤال ذي أهمية كبيرة، لماذا أبناء إبراهيم ولماذا هذا الاسم بالذات ؟؟ فنحن نعيش في منطقة يسودها نزاع قومي ذو جذور دينية، وعلى هذه الأرض تتواجد ثلاث ديانات سماوية ..الإسلام..المسيحية..اليهودية..وجميع هذه الديانات تقر بإبراهيم عليه السلام أنه أبو الأنبياء، وأن الكل ينتسب إليه، إضافة إلى أن هذا الاسم استخدم كمصطلح سياسي في فترة من الفترات، من خلال الدعوة التي وجهها الملك حسين ملك الأردن الراحل والسياسي المخضرم، حين وجه الدعوة للسلام والتعايش بين أبناء إبراهيم، أبناء العمومة بدياناتهم المختلفة على الأرض الواحدة..أرض فلسطين..

   وفاء جميل في أفلامها السابقة البيت المفقود والجذور كانت تتحدث عن الجذور التي تربط الإنسان في أرضه، وأما فيلمها المشترك جودة ومحمد، فلم يعرض في فلسطين وبالتالي لا أستطيع إن أكتب عنه وعن الفكرة خلفه، ولكن ما الذي تريده وفاء في فيلمها الجديد هذا ؟؟

   تُعرف المخرجة عن الفيلم والذي مدته ثلاثون دقيقة يتناول الفيلم قضية الحوار بين الأديان والثقافات المختلفة، وسبل اكتشاف أدوات جديدة لتجاوز الضغط والإحباط النفسي، وقد تم تصوير الفيلم في جبال بافاريا في ألمانيا، خلال انعقاد مخيم صيفي أكاديمي ضم عددا من المشتركين من فلسطين، العراق، البوسنة، هولندا، ألمانيا.

   هنا نلاحظ مسألة مهمة في الحضور، ففلسطين والعراق بلدان واقعان تحت الاحتلال، فالعراق احتل منذ سنوات فقط من قبل قوات التحالف الأمريكية والبريطانية، وتمكن المحتلون من زرع بذور الحرب الأهلية القائمة على التطهير الطائفي، فلمسنا قيام جهات طائفية بتقديم عملية تطهير أحياء بأكملها من الطوائف الأخرى على عملية مقاومة المحتل، وفي فلسطين جرت عملية التطهير العرقي والطائفي ضد العرب الفلسطينيين مسلمين كانوا أم مسيحيين، ومورست سياسة الترانسفير وما زالت، تحت غطاء ديني تلمودي يستند إلى أسطورة دينية حول الوعد الإلهي، وان كان الاحتلال قد فشل حتى الآن بإشعال فتنة طائفية بين المسيحيين والمسلمين، رغم العديد من المحاولات كالاعتداء على كنائس ومؤسسات تعليمية مسيحية، والبوسنة عانت من حرب التطهير العرقي والطائفي، وألمانيا عانت من حكم نازي كان يمارس الاضطهاد للأعراق الأخرى والأديان، وما زال الألمان يعانون من عقدة الذنب تجاه الآخرين وخاصة تجاه اليهود، الذين تمكنوا من استغلال هذه العقدة وابتزاز الألمان من خلالها.

   المشهد الأول في الفيلم عبارة عن شعلة نارية قوية تنبثق من مشعل ناري، فهل قصدت المخرجة إعطائنا إشارة ومنذ البدء أن المسألة التي يبحثها الفيلم هي قضية مشتعلة بقوة ؟؟     وفي بداية العرض نشاهد الفنان طارق يغمور الفلسطيني من مدينة بيت لحم، المدينة التي تشهد التعايش المميز بين المسلمين والمسيحيين تحت الاحتلال الإسرائيلي، والمختص بفن الزجاج يمارس فنه في تشكيل قطعة فنية زجاجية، ثم يقوم بالتعريف عن نفسه، وفي مشهد لاحق يتم تصوير الفنان طارق والمجموعة الفلسطينية في طائرة أردنية تحملهم إلى ألمانيا، في إشارة واضحة لفقداننا أبسط مسائل السيادة تحت الاحتلال، وهي وجود مطار خاص بنا وطائرات وطنية، فمشروع مطار غزة جرى تدميره بالكامل في بداياته رغم سيطرة الاحتلال الأمنية عليه.

   تصل المجموعة الفلسطينية وتلتقي مع المجموعات الأخرى، وأمام لوحة كبيرة مفروشة على الأرض يقفون ويؤشر كل منهم أين هو في هذه اللوحة، اللوحة عبارة عن رسم يبدأ بإبراهيم الخليل أبو الأنبياء، والشجرة التي انبثقت عنه حتى يومنا هذا، فنجد الديانات كلها والتفرعات التي انبثقت عنها بما فيها السنة والشيعة، إذن هي البداية من أجل البدء في الحوار، فحين توجه إحدى المشاركات سؤالا لطارق يغمور: أين أنت في هذه الشجرة؟ فيقول في الأعلى، فتجيبه..احتمال أن لا تكون هذه المرة في الأعلى..وهذا مؤشر واضح التقطته مخرجة الفيلم يشير للخلفية التي يحملها المشاركون في هذا الفصل الدراسي.

   تبدأ الجلسات المتعددة ويهمني هنا أن أشير إلى الجلسة الأولى، فهي تحمل في داخلها دلالات مهمة، فنجد بيتر الألماني وهو مدير المشروع يبدأ الكلام قائلا: بعد انهيار النظام الشيوعي وانتهاء الصراع بين الرأسمالية والشيوعية، نجد أن الصراع بدأ يتحول لصراع بين الإسلام وبين المسيحية، صراع حضارات يتحول إلى حرب عقا

المزيد


قراءة في فيلم حبل الغسيل من اخراج علياء ارصغلي - بقلم زياد جيوسي

نيسان 21st, 2007 كتبها زياد جيوسي نشر في , قراءات سينمائية

قراءة في فيلم حبل الغسيل
من إخراج علياء ارصغلي
قراءة بقلم: زياد جيوسي
   لا بد من القول بداية أن هذا الفيلم قد أعاد للذاكرة ذكريات إجتياح رام الله صبيحة 29\3\2002، حيث كانت البناية التي تواجدت فيها من أوائل البنايات التي إقتحمها الإحتلال مفجرا أبوابها صبيحة الإجتياح الهمجي، آسرا إياي وزميلا لي حيث وضعونا في قبو بارد أضاف لبرودة الجو بردا آخر، ونحن مقيدي الأيدي وعيوننا مغماة بأشرطة سوداء وقد حولوا البناية لموقع عسكري وحصن يعتصمون فيه ونقطة للسيطرة على قلب المدينة، منتظرين في كل لحظة إطلاق النار علينا معزولين عن العالم بلا أي نوع من الإتصال ولا نسمع إلا صراخ الجنود ولا نشعر إلا بحركتهم وصوت السلاح وصوت إطلاق النار وصوت القذائف في الخارج…
   لذا كان للأفلام التي تتحدث عن تلك المرحلة أثر خاص في النفس والروح، ومن هنا كانت متابعتي لعرض هذا الفيلم لما  له  من أهمية نفسية بالنسبة لي بشكل خاص ولمن عاش تلك المرحلة بشكل عام، فهي تعيد للإنسان الذي ينسى كم الذكريات المؤلمة ومواجهة الموت في كل لحظة وتبعث من جديد إحساسا جميلا في الحياة شعرناه بعد أن نجونا من الموت.
   تقول المخرجة عن فيلمها وسبب تسميته " يشكل حبل الغسيل رحلة في نفسية إمرأة، فبينما يتهاوى عالمها بفعل عزلتها وحيدة في شقة تشرف على المقاطعة خلال إجتياح رام الله في آذار 2002، حيث تعيش يوميا القصف والخوف والذعر في شقة إنقطع عنها الماء، وتحولت البناية المجاورة إلى مركز قناصة ودبابات، تبدأ ذكريات طمستها المخرجة منذ سنوات في العيش مرة أخرى، في هذا العالم المعزول والعاري من أي سند إجتماعي، في شقة ذات أباجورات مغلقة إختلط فيها الليل والنهار، والنوم واليقظة، والواقع والخيال، في جو رعد وقصف وبرق مستمر.
   يبقى الغسيل الذي غسلته المرأة قبل الإجتياح، شاهدا على ما يجري في الخارج، بينما ليس في قدرتها إلا التخيل، من خلال الأصوات والأضواء عن ماذا يجري هناك، في خارج الشقة، بينما تأخذ الذكريات واقع في داخل الشقة."
   لكن يعود إلى ذاكرتي حادثة وقعت أثناء الإجتياح وهي أن هناك إمرأة حاولت أن تنشر غسيل طفلها على حبل غسيل في شرفة منزلها، لكن رصاص القناصة لم يمهلها فوقعت ضحية القناص الإسرائيلي شهيدة من شهداء الوطن تحت حبل الغسيل الذي كان الشاهد مع قطع ملابس من ملابس طفلها تمكنت من نشرها، وتناثر دمها الزكي

المزيد


فيض فيض

أغسطس 8th, 2006 كتبها زياد جيوسي نشر في , قراءات سينمائية

زياد جيوسي             

 

من خلال قطرات ماء تفيض على الجسد، إلى فيض من الأحذية المتأرجحة…   فماذا أرادت لينا بخاري بفيض أو فيضها ؟؟

بدأت لينا تجربتها الأولى بالإشارة إلى تجدد الحياة بالخروج من تحت الماء لتمارس رياضة السير في شوارع رام الله، مبدية تعليقاتها على بعض مما تراه ونراه معها..

ولعل ما يلفت النظر تعليقها حول البيت القديم المغلق الموحي بانعدام الحياة بداخله، ولكن الورود على الشرفة تشير إلى حياة رغم العزلة والظلام.

ترجع بنا إلى مشغلها الصغير حيث الطين بأشكاله المختلفة، فهل أرادت لينا أن تشير لنا بخلق حياة جديدة كما بدأت إشارتها بالماء ؟؟

الماء والطين !!!! هما اصل الحياة، أم بلغ بها ( الفيض ) أن ( تفيض) ما بنفسها من حياة سابقة؟؟؟؟

ولكنها تبدي انفعالا واضحا وعصبية واضحة بالتعامل مع الأسلاك التي تمثل العامود الفقري للطين الذي تحاول أن تخلق منه حياة، كما أبدت نفس الانفعالات بالتعامل مع مشاهد الحياة ال


المزيد


أغنية ياسمين فليم من إخراج نجوى نجار

تموز 17th, 2006 كتبها زياد جيوسي نشر في , قراءات سينمائية

 أغنية ياسمين

فليم

نجوى نجار

بقلم

زياد جيوسي

    أمسية جميلة في القصبة رئة رام الله الثقافية، العرض الأول للفيلم بحضور متميز، عادة بمثل هذه الأفلام القصيرة حضور الجمهور يعتمد على العلاقات العامة للقائمين بالعمل، لكن هذه  المرة وجدت حضورا جيدا خارج إطار هذا التصور..

   لم أكن اشعر وأنا متوجه للصالة أنني سأحظى بمشاهدة عمل متميز، فقد اعتدت ومنذ فترة أن أجد أمامي فكرة مكررة بجهد ضعيف لا تحمل أفكارا جديدة ولا فكرة متميزة، بحيث كانت قليلة جدا الأفلام التي شدتني وتركت أثرها في نفسي..

   فيلم أغنية الياسمين من هذه الأفلام التي تترك أثرا ما بالنفس بعد الخروج من صالة العرض، فقد استطاعت نجوى نجار أن توظف خلال عشرين دقيقة مجملا من القضايا التي تحتاج إلى المتابعة والمناقشة، كل منها لا يكفيه ساعات طوال من حوار ونقاش وبحث.

   لقد تمكنت مخرجة الفيلم والتي فوجئت بقدرتها، من أن تعالج كما من القضايا بإشارات ولمحات عبر تسلسل درامي بوقت قصير، ومع هذا فقد خلا الفيلم من الحشو غير المبرر، مكتفية بالإشارة من خلال الرمز المفهوم لكل فكرة تم طرحها.

   قصة الفيلم بسيطة تقوم على قصة حب بين زياد وياسمين التي يصر والدها على تزويجها لشخص آخر بدعوى انه أعطى كلمة لصديقه والد العريس، لكن تمكنت المخرجة من التعبير عن عدة قضايا بتشويق وبدون ملل.

  اختارت نجوى مدينة أريحا للتصوير بجمال أريحا وعراقتها التاريخية كأقدم مدينة بالعالم، للعلم أيضا أن أريحا لا يقسمها جدار الضم ولا يمزق سكانها رغم حصارها من الاحتلال، من هنا كان الاختيار موفقا فقد دمجت فكرة الجدار الذي ينمو كل يوم ويتمدد كغول أسطوري أو أفعى ضخمة تتمدد على أرضنا، مع جدار العادات والتقاليد التي تستلب حقوق المرأة، والتعامل معها كشيء لا روح ولا إحساس فيه بحيث تفقد حريتها وخياراتها بمجرد أن الأب أعطى كلمة، والأم لا تمتلك حول ولا قوة.

   كانت الإشارات للجدار واضحة خلال الفيلم من خلال العوائق التي برزت بشكل كتل إسمنتية يتسلل زياد من خلالها ولكنها في نهاية الفيلم تصور

المزيد


الجذور "لوفاء جميل".. بقلم زياد جيوسي

تموز 17th, 2006 كتبها زياد جيوسي نشر في , قراءات سينمائية

 

 

 

"الجذور" لوفاء جميل

بقلم: زياد جيوسي 

على هامش مؤتمراستضافته الكنيسة الإنجيلية بجوار كنيسة المهد في بيت لحم، حيث مهد المسيح "عليه السلام" وأرض السلام والزيتون والأنبياء، وبحضور وفود من ثلاث وعشرين دولة تحاوروا وتناقشوا تحت عنوان "تشكيل المجتمعات وقت الأزمات"، وفي أجواء الكنيسة حيث الصلاة والترانيم من أجل السلام.. سلام الروح والإنسان وبين وقوف المشاركين ينشدون أغنية عن الأمل والحب والسلام، ومن بين وجوه تحمل ملامح الإنسان كإنسان بدون تمييز بين عرق ولون، وبين دهشة الحاضرين الذين أتى كل منهم من مكان وفكرة ما تسكن في كيانه.

   في قلب هذه الأجواء، كان الحضور المتميز للمخرجة الفلسطينية وفاء جميل، حيث تمكنت أن تحيل جلسات المؤتمر والوجوه الملونة ما بين دهشة واستغراب وألم، إلى قصة بلا سيناريو مسبق. بحثت عن الجذور، وفتحت ملفات قضية شعب جرى استعباده واستلاب أرضه ومنازله، شعب جرت كل المحاولات من أجل تدمير روح الإنسان فيه بلا جدوى.. فلا الحواجز ولا القتل أو مصادرة الأراضي، ولا الجدران وحراب الجند تمكنت أن تمنع الورود من أن تنبت بين الصخور.

   بإمكاناتٍ متواضعة وإيمان كبير ومعاناة تعصف بحياتها، امتشقت وفاء الكاميرا والتقطت الكلمات المتناثرة من الأفواه، والجولات الميدانية لبعض حضور المؤتمر، فخرجت لنا بقصة شعب من خلال عيون الآخرين وكلماتهم، تركت لهم أن يتحدثوا بلغتهم الإنجليزية بحرية، ولوجوههم أن تعبر عما يشاهدون ويحسون، وتركت للكاميرا أن تلتقط هذه اللحظات الإنسانية بحرية وتحليق.

   فتاة قادمة من الولايات المتحدة تقول: "لم أعد للشرق، بل عدت إلى بلدة والدتي التي هي محرومة من العودة منذ حوالي ستين عاماً.. لقد عدت لأبحث عن بيت جدودي،.

  رجل دين أسود قادم من جنوب إفريقيا يقول: "كنت أريد معرفة ماذا يدور في هذه المنطقة من العالم، كان السائق الذي أقلني يشير إلى المستوطنات التي أقيمت على هذه الأرض، فاستعدت بذاكرتي مرحلة ما قبل الحرية في بلادي وأنا أمرّ على الحواجز الكثيرة والمستوطنات حتى وصلت إلى بيت لحم".

   أولئك يصبحون أبطالاً لفيلم لم يخطط له، كل منهم أتى بهدف، فيجولون في بيت لحم والخليل ورام الله من أجل هذا الهدف، ترافقهم الكاميرا ترصد جولتهم، ملامحهم، تعابير وجوههم، كلمات ومشاعر عفوية تلتقطها عدسة الكاميرا وروح فنانة، فتخرج لنا إبداعاً بلا تمثيل هو "الجذور".

   شوارع وأزقة بيت لحم حيث الوجوه المتعبة وعبق التاريخ، يجول القس والفتاة وهما يتحدثان بكل بساطة ويعبرّان عما في نفوسهما، الفتاة تعرّف نفسها باسم سما الشيبي؛ عراقية الجذور من طرف الأب وفلسطينية الجذور من حيث الأم وأمريكية الجنسية ومسلمة الديانة، والقس يعرّف نفسه باسم ماثيو من جنوب إفريق


المزيد