... أرحب بكم في مدونة أطياف متمردة وصباحات الوطن...


هذيان مع (خزفيّة نَصّيّة)*

أغسطس 12th, 2009 كتبها زياد جيوسي نشر في , قراءات في نصوص أدبية

هذيان مع (خزفيّة نَصّيّة)*

3/3

بقلم: زياد جيّوسي

 

   صباحك أجمل، اعتدت عبر سنوات أن أبدأ نصّي الّذي أخاطب به القرّاء والمكان والزّمان وغيابك بعبارة صباحكم أجمل. ولكنّني اليوم أشعر بأنّ هناك (كسل يطهو جسدي)، أحلّق معك أنت فقط.. فالرّجل في داخلي يحتفي بأنّ (عشقه المتنصّل منه عاد له كما يدمن الليل صرّار ليله المترفّل)، فأصحو أحلم بك منذ إشراقة الشّمس الأولى حين ألقى الفجر عن كتفيه سُدل العتمة، جلست أرقب خيوط النّور وهي تبلج صباحًا آخر يشهد على غيابك وبُعدك، لن تخبو أحلامي بعد اليوم (كما تخبو أحلام طفل في جحور فئران صغيرة، حين يصبو للّعب في الجبل المعشوشب)، أحلم بك وفي يوم نلتقي فيه من جديد وأهمس لك: صباحك أجمل رغمًا عن الّذي (كان يغار حروفي، ذاك الّذي لا عمر له).

   هل تذكرين زيارتنا إلى البحر حيث يلتقي الأزرقين، هناك (حيث يطير طائر البجع كسحر الحروف المضيئة) وحبّنا نرسمه مع الموج ورمال الشّاطئ كأنّه (عبق لزمان ريح آتية ومكان بحر مستكين). ويمتشق جسدك أمامي كحوريّة آتية (من الطرف الضّيّق لمحور العالم، يمتدّ الجسد إلى آخر نقطة فيه)، فنركض ونلهو وترشقنا الأمواج النّاعمة وتتعالى أصواتنا مرَحًا. وأرى فيك (طينة الجسد تتوّجها لفحات الأنثى الفوضى)، فأنت فقط (امرأة التّأريخ الخارجة من البحر). وروحك وحدها هي الزّيت الّذي يشتعل عندما (تتوهّج روح العالم). وروحك فقط أنا من كان (ينتظرها هناك في الحدّ الفاصل بين النّار والثّلج)، بقيت أنتظرها عبر عصور الزّمان مؤمنًا بأنّنا سنلتقي حتّى التقينا، فِعلاً (يبدو أنّ الوقت حين يحين فهو يحين لأنّه حان).

   على شاطئ البحر الغريب، كنّا نحلّق بأرواحنا (لتصل النّفسُ إلى منجم صغير هو الوطن)، ليس من مكان آخر يمكن أن يضمّنا أبدًا (عند ملاقاة الليل لعتمته)، رغم كلّ البثور السّوداء على وجه الوطن ما زالت (مجموعات من الفراشات.. تلمح الألق.. المنبثق من رَفّات أجنحتها)، والوطن الّذي سيجمعنا يومًا ما زال (يرسم لي روحه متناثرة في المدى.. عاصفة هوجاء)، وهناك فقط سأخبّئك عن العيون كما (يختبئ الملاك بحذر بين زهور ذهبيّة وأخرى فضّيّة). في كلّ مساء وبعد أن نجول تحت نور قمر الوطن وتلفحنا نسماته الغربيّة (يعاود قتلي بك الليل، ألتفّ عليك كما يلاعب الخيط شقاوة قطّ)، أضمّك وتضمّيني بجنون حبّنا وأشواقنا الّتي تراكمت عبر ال

المزيد


المرأة في الرّواية العربيّة

تموز 8th, 2009 كتبها زياد جيوسي نشر في , قراءات في نصوص أدبية

المرأة في الرّواية العربيّة

بقلم: زياد جيّوسي

   الصّحفيّة الجزائريّة نوّارة لحرش خاطبتني مرّة تسألني كيف أرى المرأة في الرّواية العربيّة، كان سؤالها جزءًا من تحقيق صحفيّ. وقد أجبت إجابة مختصرة جرى نشرها، ولكن من خلال استعادة الذّاكرة في الرّواية العربيّة وجدت أنّنا عادة أمام صورة نمطيّة للمرأة فهي: المرأة المقهورة، السّلبية، المتلقّية، الخاضعة للهيمنة الذّكوريّة، فهي بالمعتاد تابعة ومتلقّية ومقموعة، القمع يتراوح بين العادات والتّقاليد، ظروف المجتمع وأنماطه في التّعامل، ولم تخرج المرأة عن هذه الصّورة إلاّ في حالات محدّدة. ولعلّ الرّواية العربيّة الحديثة لعبت دورًا في إظهار المرأة العربيّة في صورة مغايرة، فقد أصبحت المرأة شريكة للرّجل في تحمّل المسؤوليّة، امرأة إنسانة وليس سقط متاع، لم تعد مجرّد جسد ينظر إليه بشهوة ورغبة، بل أصبحت المناضلة والأمّ والشّريكة. وبشكل عام كانت صورة المرأة في الرّواية العربيّة تعتمد دومًا على خلفيّة الكاتب ووعيه وثقافته، البيئة الّتي خرج منها وتأثّر بها. ولعلّ تغيّر الثّقافات وتأثير العمل السّياسيّ وانتشار الوعي والثقافة كلّها لعبت دورها في هذا التّغيير.

   الكثير من كتاب الرّواية المعاصرين، وخاصة الّذين ارتبطوا بالعمل السّياسيّ والنّضاليّ، يقدّمون صورة إيجابيّة عن المرأة، تظهرها بدورها الحقيقيّ، مشاركة للرّجل في تحمّل المسؤوليّة، والدة ومناضلة وواعية ولها دورها في مناحي الحياة المخت

المزيد


من بوح (رفسة غزال)

أيار 27th, 2009 كتبها زياد جيوسي نشر في , قراءات في نصوص أدبية

 

من بوح (رفسة غزال)

2 من 3

بقلم: زياد جيوسي

   ويطوي الزّمان السّنوات عامًا إثر عام، وما زلت أحلم بأن نلتقي، أن تجمعنا جدران أنّت من برودة الوحدة. فأسكر بذكراك وأهتف لك (أنت ملكتي.. لا أبغي سواك)، فمن لي بحُبّ (يحمل إليّ لقاح بذور لا تكون إلاّ لسواي) غير حبك. وهل من طيف غير طيفك (أصرّح له بأننّي أحبّه كما النّرجس والليلك والنّار) فأنا لم أملّ الانتظار، وما زلت أنتظر حبّك أن (يعود أسطوريًّا في رعشات أصابعه.. في حرارة جسده..)، فما زلت رغم الغياب الطّويل و(عبق رائحتك لا يتركني)،  وحبك يسكن منّي الرّوح فهو (مخبوء فيها نصل ورد ومرمر).

   كوني معي، عودي من الغياب الّذي طال.. فأنا منذ غيابك من (أفاق على حياة فيها حمائم تحطّ وتطير في أقلّ من عُشر الثّانية)، أنا بحاجة إليك، بحاجة لحمامة تعود وتحطّ ولا تطير من وكنها. وطوال سنوات الغياب كنت من (تحرّكه قدماه لمصعد يعتليه قلبه وزقزقات هناك تناديه ليحتلّ مقعدًا فيها)، فمن غيرك لي حمامة تحلّ السّلام في قلبي المشتعل، (تسكنه ذات المكان وذاته)، ولا تترك أحلامه (أضغاث أحلام وخيالات مقطّرة بما يرقرق الماء وترقّ له النّسائم فتترقرق).

   تجول بي الذّاكرة إلى الماضي، إلى ضمّات الهوى الّتي كانت تضمّنا، حين كنّا نختلي على أعلى التّلّة، أحتضن فيك (امرأة نصف التّاريخ كانت) فترقّ لنا حوريّات الهوى وقد (حللن ضفائرهنّ الطّويلات، تلك النّساء "ربّات الفنون") اللواتي يعرفن ما الهوى؛ فهنّ عرائس الماء حسب الأسطورة اليونانيّة، أسطورة رغم كلّ ما عرفت لم تستطع أن تعرف قصّة هوى كهوانا.. ننظر للأفق البعيد حيث تتعانق التّلال مع أفق السّماء ونحلم، ولم نكن ندري أنّ القدر يلعب لعبته (لينفصل الشّيء عن نقيضه)، فنضيع عن بعض ولا يبقى في الذّاكرة إلاّ الحلم وما عشناه. ولعلّ التّلّة ما زالت المكان الّذي من حبّنا (زخر بالرّائحة الصّندل وبلل الحكايا من عرائس الماء).

   جلت الليلة مع نسائم الهواء المنعشة في ذلك الطّريق الّذي سرناه معًا ذات يوم؛ كان الهواء يملأ صدري، وأنت وخيالك لا تفارقين ذهني.. وقفت تحت ظلال الشّجرة الّتي وقفنا تحت ظلالها يومًا، فشعرت بحبّنا (أنفاسه تلهب

المزيد


من وحي “حكاية حبّ” للأديبة عبير محمّد

أيار 13th, 2009 كتبها زياد جيوسي نشر في , قراءات في نصوص أدبية

 

بعدسة زياد جيوسي

من وحي "حكاية حبّ" للأديبة عبير محمّد

بقلم: زياد جيوسي

   وأهمس من قلب بركان ألمي (بيني وبينك أُنشودة تغنّت بها الرّوح)، فتعالي ولا تمعني في الغياب فما زلت احلم بروحك ولمساتك، (وهمسات نديّة موشومة بحبر الوفاء على ورق الشّجر)، تعالي ولا تنسي ما كان بيننا من جنون وحبّ، فما بيننا أكبر من قصّة جنون، (بيني وبينك قُبلة حرف.. همسة وتر.. ورود تفوح).

   حين سمعت صوتك عبر الغياب (انساب همسك خفقات تبعثرت بأعماقي) فأنت تمعنين في السّفر والغياب، حتّى أنّ (قوافل الودّ باتت تُسافر بيننا في أتون الصّمت)، فتعالي وعودي من ظلّ غيابك، حياتي أصبحت كالهشيم المشتعل، فتعالي لنعيد حبًّا أراه (بعُذريّته امتدّ بين أزقّة الوريد وفاض بالشّريانِ نهرًا).

   إنّه جنون الحبّ الّذي امتدّ منذ ألف عام، الحبّ الّذي (أغرقني بأعماقه.. ورسم ملامحنا بين الخمائل ياسمينًا ووردًا)، أعيدي الماضي الّذي رسم حبّنا فما زلت أحلم بك وأذكر
(كم كنت أعيش معك بحضن قصيدة غنّاء شاعريّة)، إنّه الحبّ الّذي كان يجتاحنا وما زال يجتاحني.. هو أمواج محيط ثائر، نهر هادر، (حبّ أثمل الرّوح.. خَـــدّر بخمرهِ الإحساس)، تعالي وارسمي حكاية وجد وجمال، أعيدي رسم أحلامي الّتي أصبحت مزقًا، فأنا أريدك حبًّا مجنونًا، كان الحبّ قد (تموسق بين حنايا الوجد.. ما بين البُعد والتّداني)، مهما ابتعدتِ، مهما أمعنتِ في الغياب، مهما أبحرت

المزيد


مع .. كلام غير مباح

كانون الثاني 28th, 2009 كتبها زياد جيوسي نشر في , قراءات في نصوص أدبية

 maisoo

مع كلام غير مباح

للقاصة ميسون أسدي

بقلم: زياد جيوسي

  ضمن غلاف أنيق يحمل لوحة بريشة الفنان أسامة المصري، ومن خلال تدرجات اللون الأزرق، يشدنا العنوان الذي اختارته القاصة ميسون أسدي لكتابها، والعنوان مأخوذ من قصة تضمنتها ثنايا الكتاب، والذي تعبّر فيه عن المسكوت الذي لا يجري البوح به. وللحقيقة، فقد قرأت معظم هذه النصوص عبر صفحات الشبكة العنكوبتية، وقد لفتت نظري كثيراً، بحيث كنت دوماً أحتفظ بها ضمن ملف خاص في حاسوبي، وكنت أشعر فيها شيئاً جديداً يلامس جرحاً مفتوحاً، ولكن يجري التعامي عنه. وقد سجلت ملاحظات كثيرة على النصوص، وكنت أفكر بإعادة صياغة هذه الملاحظات ونشرها من خلال موضوع يتناول نصوص ميسون أسدي، حتى فوجئت بنشرها ضمن كتاب يحمل العنوان أعلاه، واتصال من الصديق أسامة المصري يعلمني باسمه واسم زوجته ميسون أنهم أرسلوا نسخة من المجموعة كهدية، فشكرته كثيراً على هذا اللطف الذي اعتدته منه رغم أننا لم نلتق حتى اللحظة مواجهة، فهكذا حالنا في الوطن الفلسطيني الممزق تحت سياط الاحتلال. لقد وجدت في العنوان خلاصة الفكرة التي كنت أدوّن ملاحظاتي حولها، ووجدته معبّراً بدقة عن المواضيع التي تتناولها القصص المتناثرة التي ضُمت بين دفتي كتاب

  المجموعة تتكون من عشرين قصة قصيرة، تتناول العديد من القضايا بجرأة متميزة، وتبحث في موضوعات مسكوت عنها رغم أهمية تناولها، فهي قضايا نعيشها في مجتمعاتنا العربية عموماً، كما نحياها في مجتمعنا الفلسطيني خصوصاً، وإن كان هذا التعايش معها يختلف نسبياً حسب المناطق والتجمعات الفلسطينية، فالمجتمع الفلسطيني الذي وقع تحت السيطرة الإسرائيلية بعد حرب النكبة في العام (1948)، وبحكم انعزاله عن مجتمعه الفلسطيني وامتداده العربي لسنوات طويلة، وأصبح عرضة لمحاولات التذويب وسلب الهوية، اختلف نسبياً في التعامل مع العديد من القضايا عن المجتمع الفلسطيني في قطاع غزة الذي كان يخضع طوال الفترة نفسها للإدارة المصرية، أو عن المجتمع الفلسطيني في الضفة الغربية الذي كان تحت حكم الأردن وتم التعامل مع أبنائه كمواطنين أردنيين يحملون الجنسية الأردنية، ولهم حقوق المواطن الأردني نفسها وعليهم نفس الواجبات.

  من هنا، وخلال قراءة هذه المجموعة علينا أن ندرك هذا التمايز، فالظروف الذاتية والموضوعية لما أصبح يسمّى فلسطينيو الداخل، تختلف نسبياً عن فلسطينيي الضفة والقطاع، حتى لا نقع في خطأ التعميم وكأننا نتعامل مع مجتمع متجانس يخضع للشروط نفسها، ويعايش الواقع نفسه.

يمكننا أن نقسم المجموعة القصصية إلى مجموعات رغم التقارب بشكل أو آخر بينها وهي:

المجموعة الأولى: وتتحدث عن المشكلات الاجتماعية في أنماط التربية السائدة في المجتمع، وفشلها في التعاطي مع أجيال جديدة بحاجة لاهتمام كبير وخاص، ونجدها في قصص: مريم، شاي وبسكوت وسكر، الحب كافر، درب ليلى الحمراء، أحضري فوراً، ففي قصة مريم نرى المراهقة التي تقع في الحب الأول، وحين يعلم أهلها لا يعالجون الموضوع بروية، ولكن يلجأون للقمع وتزويجها عنوة من قريبها الذي يغتصبها اغتصاباً في ليلة عرسها. وفي القصة التالية شاي

المزيد


من وحي خميل كسلها الصباحي

تشرين الثاني 5th, 2008 كتبها زياد جيوسي نشر في , قراءات في نصوص أدبية

 

122586

 من وحي خميلُ كَسَلِها الصّباحيّ

للكاتبة: منى ظاهر

بقلم: زياد جيوسي

1

   من بين خميلُ كَسَلِها الصّباحيّ، تخرجين خزفيّة نصّيّة لرفسة غزال، فيأتي عجيب يتحسّس الأشياء كيف ما شاء يلوّنها، فهو لم يُرد أن يكون مختلفًا عنهم، فعجيب والغريب يجسِّدانِ كلّ رجال الأرض في رجل واحد. فعجيب هو علاقة العقل الباطن، علاقة هاجس الرّوح وتعويذة كنـز الجسد، إنّه صراع الرّوح والجسد، جسدي يسائلني عنك، إنّه الشّوق الّذي عمره ألف عام، يرتبط بالأزل حين عرف آدم حوّاءَه وتلمّس معها الخطيئة، فهو شوق يسيل من شجر التّفّاح.

   جانب النّهر هناك شاهد على رائحة احتراقي، فما أنْ أعبر النّهر إلاّ وشدّني احتراقي إلى الجانب الآخر، فكلّنا نحترق في الذّكرى والذّاكرة، تشدّنا رائحة الحريق فنعبر الضّفاف لنجدّد الاحتراق. فأنا كما أنتِ أتساقط من فوق الهضبات العاليات لتتحوّل رجلي الحديديّة إلى لحم ودم. وأحلم أيضاً بأن: تتراقص رجلاي مع سيقان حوريّتي، فحين تتحوّل أسطورة الأنثى إلى حلم وطيف بعيدين، ولا يتبقّى إلاّ بعض من خميل كسل صباحيّ وذكرى مشتعلة، أذوب أنا في رحيق جسدها الرّاعش من فرط الرّغبة المغرِقة في عبقي،  فأنا أيضا كما هو خطاه جافّة يخطوها كعود يابس لم يذق ماءً، ولم يذق ماءَه على سمرة خدِّ المرأة حين كان يرى قُبْلَته عليه في حُلُمه، فأصرخ من وجد قصّة عشق وبحث عن غائبة تأتي في الحلم وأردّد لنفسي: أكره تلاشي الحِلْم في حُلمي.

   هي من أرى في مساحة الحلم أنّها عشتار، فهي من تمتلك الحلم تملك النّجوم والشّموس وكلّ البحور، فأناديها: تعالَيّْ لنحقّق الحلم ونخرج من صحراء التّيه، فما زال عبق الياسمين الّذي نثرته على شعرك، يسكن منّي الرّوح منذ عصور، متمازجًا مع عبق أنفاسك وشعرك، وأشعر بحبّك رغم البعاد يكبر ويكبر كأنّه شجرة الياسمين تكبر وتكبر بطريقة غريبة،.. تتكاثف على نفسها بشدّة، فيا طيفي الجميل بك تزهر شقائق النّعمان ويفوح رحيقها العطر.

   يخاطبني خميلُ كَسَلِهَا الصّباحيّ بحروف أشعر أنّها تنبثق من روحي، كما تنبع من روح صاحبة الحروف الّتي سكبَتها روحًا وليس نصًّا في كتابها، فيقول لي ذلك الخميل: لا تنسَ جرحَك النّرجس

المزيد


سعاد.. للقاصة: عدلة شداد خشيبون

تموز 20th, 2008 كتبها زياد جيوسي نشر في , قراءات في نصوص أدبية

121653

سعاد

للقاصة: عدلة شداد خشيبون

بقلم: زياد جيوسي

   في قصتها سعاد لجأت القاصة عدلة خشيبون إلى الرمزية الجميلة، الرمزية التي يمكن أن ينطبق عليها وصف السهل الممتنع، من أجل إيصال الفكرة ببناء قصصي جميل وسهل، لكنه يخفي وراء رموزه الهدف، وإن أعطى المؤشرات للقارئ حتى لا يتوه في البحث، فابتعدت القاصة عن الرمزية المغرقة بالتخفي، حتى لا يضيع القارئ  عن الهدف، أو أن يمل القراءة فيرمي النص جانبا.

   سعاد.. هي الإنسانية المعذبة، والحبيب هو الضمير الذي ما زال يعيش ولم يمت بعد، وحيدا في بحثه عن عالم الجمال في حديقة غنّاء، وحيدا يبحث عن قلب بعد ابتعاد البشر عنه جالت بناظريها علّها تجد أنيساً … ولكن لا حياة لمن تنادي، تأمل بالشمس نظرت بعينين مترقرقتين لشعاع الشمس وبحثت في الأرض وتأملت التراب…تُرى أيكون التراب بقايا حبّها وحياتها، فشرعت سعاد -الإنسانية- بتدوين ذكرياتها، ولكن تاه منها العنوان واسم من تكتب إليه لا عنوان لك معي…ولا أرقام هاتفك أعرف ترتيبها…وحروف اسمك مبعثرة أمامي، ف الضّباب سيطر على كلّ الأجواء، و الجوّ حالك الظلام.

   الضمير يعاني معطفي صغير لا أستطيع إدخال جسمي داخله ولونه غريب ، وليس من ألوان ال

المزيد


مع ناصر الريماوي وقصته: صبــاح ممطــر.. يــوم قاحــل

شباط 16th, 2008 كتبها زياد جيوسي نشر في , قراءات في نصوص أدبية

 

مع ناصر الريماوي وقصته:

"صبــاح ممطــر.. يــوم قاحــل"

بقلم: زياد جيوسي

   "يوم قاحل".. قصة مختلفة عن نمط الغرائبية المتسربل بالرمزية للكاتب الصديق ناصر الريماوي كما اعتدنا في العديد من نصوصه، فهنا نجد قصة مباشرة تعتمد على فكرة الحدث المباشر، تعتمد على التضاد بين الصور، فهنا في "مدينة لا تعرف المطر" تفاجئ السماء شخصية القصة الرئيسة بزخات من المطر، هذه الزخات تثير في نفسه السؤال: "متى يهطل المطر ، في أي فصل من السنة ، في أي وقت من اليوم ،  هل  من المعقول أنها تمطر في هذه المدينة  ؟؟؟" 

   هذا الجو المفاجئ يثير في نفسيته المنـزعجة منذ الصحو ردود فعل عصبية، "طقوس مبتكرة ، وأخرى مبتذلة"، لذا من المنطقي ضمن هذا الجو العصبي الذي يدفعه لسكب الشاي في البالوعة وقذف الفحم من النافذة والمغادرة على عجل، أن يرى أي حدث عادي في يومه يشير إلى"يوم قاحل"، والعادة في تركيبتنا النفسية وحين نبدأ نهارنا بالانزعاج أن نقول: "الله يسترنا من هذا اليوم"، لذا من الطبيعي أن يرى بكل حدث ما يثير الأعصاب ويوترها، ومن هنا كانت قدرة الريماوي على تقمص الشخصية في قصته، وأن يعطيها الأبعاد النفسية المطلوبة.

   إن الأحداث التي يوردها هي أحداث عادية قد يتعرض لها كل إنسان، لكن ضمن الجو النفسي المنـزعج يصبح لكل حدث معنى وتفسير مرتبط "بالنحس"، ولم يبقى على شخصية القصة الرئيسة إلا أن يقول: "بوجه من تصبحت هذا اليوم؟" لكنه يكتفي بالقول: " يوم نحس من أوله…."، وهي بنفس المعنى ضمن نفسية التطير التي تسيطر على السلوك العام في اللحظات العصبية، ويكمل قوله في موقع آخر: " نهار قاحل منذ البداية… الله يسترنا من آخره."، ويكمل قوله في موقع آخر: " فيوم قاحل منذ البداية لا بد أن يقود إلى طريق مغلق"، فهكذا نرى أن أي حدث عادي مثل نسيان المحفظة أو وجود تحويلة في الطريق أو رشقه بالماء من سيارة مارة أو تعطل السيارة بسبب حفرة غير مرئية، سبب كاف ليحيله إلى النحس الذي يلازمه ذلك اليوم، ولكنه كالعادة يحاول الخروج من ذلك النحس والتطير بالعودة للإيمان: " الحمدلل

المزيد


ملح وشرر وحب

تشرين الثاني 25th, 2007 كتبها زياد جيوسي نشر في , قراءات في نصوص أدبية

"ملح وشرر وحب"

في نص للكاتبة: راوية بربارة

بقلم: زياد جيوسي

   لنصوص الصديقة الطيبة راوية بربارة نكهة خاصة، وفي قصصها أو لأقل نصوصها ميزة تختلف في التعامل مع النصوص الأخرى، وهنا أتكلم عن نفسي ولا أشمل غيري، فحتى أتمكن من الغوص في مكنونات نصوصها، كنت أتابع ما تكتب نصاً اثر نص، كي يشكل التراكم عندي بحراً أدبياً يمكنني من الغوص في مياهه وتحدي أمواجه، وان كنت أخشى الخوض في نصوص راوية سابقاً رغم ملامستها لذائقتي الأدبية، خوفاً أو تجنباً لسبب أو آخر في داخلي، وحين التقينا على هامش "دوثان" برفقة الأصدقاء، وجدت أن ما أخشاه من عملية الغوص في نصوصها، هو ليس أكثر من وهم مقابل شخصيتها الطيبة والبسيطة والقريبة من الروح والنفس.

   وفي ذرة ملحها المسكوبة فوق الشرر المتطاير، وجدت نصًّا خاصًّا متميّزًا، يدفع المرء للغوص فيه، فهو بحر مستقل عن باقي البحار، وكما تقول الصديقة الكاتبة إيمان ونوس: "قالب قصصي رائع لا يتمكن منه إلاّ فنّان في تناول المشكلة وتحويلها لقّصٍ رائع
على لسان أبطال هم من واقع حي معاش في كل مجتمعاتنا العربية والشرقية فهنا نجد الراوية راوية تتحدث بلسان رجل، رجل يمتلك قلباً " تراكم الثلج فوق نبضاته منذ زمن"، في نهار " يستوعب كل التناقضات المرئية واللامرئية"، يحلم بالحب ويخشاه " أحلم بيومٍ تنطلق فيه نظراتي وتصطدم بنظراتٍ تُلهب هذا القلب"، رغم أنه " قلبٌ هُزِمَ مرّة فأغلق أبواب حجراته وخبّأ المفتاح في جنبات العقل"، رغم أنه يحن للأجواء العائلية والأسرية " والروح توّاقة والجسد يحنّ للمسةِ عطف"، " آه يا معدتي الخاوية.. تشتهين الأطباق البيتية الدافئة ولا تأكلين إلا في المطاعم.. وحيدةً تطحنين خبز الحياة دقيقاً"، لكنّه الخوف من التّجربة هو ما يقف حائلاًُ " غدت الأنثى بالنسبة له مجرّد جرح"، فهو يرفض أن يعيد التجربة ولا يسمح لقلبه بالضعف أمام الحب مجدداً " أكثر من سهم كسرتُ نصله قبل أن يخترقني.. وهل أنا أخرق لأسمح لها أن تهزأ بي ثانية"، فالمرأة بالنسبة له أصبحت تُشكّل خوفاً في النّفس، مساساً بالرجولة وإذلالاً لها، تتسلى بالرجل وتتخذه زينة لا غير "أن تهبني حبّها ودموعها.. فتذلّ رجولتي أمام ضعفها"، " تشكّلني ثانية معدناً نفيساً تتزيّن به".

   هكذا نجد الأنموذج الذي اختارته الكاتبة للرجل في نصّها، فهو أنموذجٌ من الرجال الذين يخشون الحبّ، يخلطون بين مفاهيم مختلفة، تكرَّس في أرواحهم فكرة الرجولة، فيجد أن أيّ تنازل مساساً في رجولته، فالمرأة في مفاهيمه "تظن العاشق عبداً فتحمل له عصا الشّوق والدّلال تؤدّبه بها"،  ينسى أو يتناسى أنّ الحبّ يسمو فوق هذه المفاهيم، وأنّ الحبّ كان ولم يزل دومًا عطاءً متبادلاً.

   يجلس في مطعم ليتناول طعامه وله في ذاكرته تجربة فشله في الحب " وجدت مطعمًا مليئاً بذكرياتي"، يأتي به القدر بين منضدتين، " خلفها عاشقان يتقابلان بالنظر.. وأمامها عائلة تضجُّ جلبة وحركة وأطفالا"، وهذا الموقع للمنضدة كان له تأثير خاص عليه، فهو ما زال يحلم بامرأة وأسرة، " هذا التّوسط أعجبني.. أخرجني من وحدتي وأفكاري.. أدخلني العالم الحقيقي الذي أتمنّاه.. الذي يمثّل حاضري القريب ومستقبلي"، فهو ما زال رغم تشنجه يحلم بالحب ولكن ضمن مفاهيمه هو، لا ضمن ما يكون عليه الحب حقيقة "لن أكون وحيداً"، " فلربما تكون تلك المرّة الأخيرة التي آكل فيها وحدي.. أو آكل فيها خارج بيتي"، وفيما هو ضمن هذه الفكرة والحلم بالمرأة التي تقدم أنموذج العبد الذي يهمه إرضاء سيده، بدون أن تكون له كرامة، فمنذ متى يكون للعبد كرامة!، فهكذا يريد من امرأة المستقبل أن تكون.

   "اختلفَ العاشقان"، وكأن الخلاف مرفوض ولا يحق للمرأة أن تثور، " تطايرت الكلمات شرراً من فمها"، أما العاشق فبقي صامتاً أمام هذه الثورة للمرأة، "والعاشق مُصاب بالذّهول"، وهذا الصمت أثار حمية الأنموذج الذي قدمته لنا الكاتبة، فهو كما أسلفت يرفض للمرأة مجرد المناقشة، فهذا في عرفه مساساً بالرجولة وإهانة لها، "ما هذا الصّمت، وهذا الضّعف أمام حبّات اللؤلؤ الأنثوية المنزلقة من عينيها؟"، انه تساؤل العقلية الشرقية المغلقة، التي تمنح الرجل حقوق السيد المطاع، ولا يحق لامرأة أن تناقشه،   أو تثور في وجهه، ومجرد الصمت أو محاولة احتواء الموقف تخرجه من عالم الرجولة وتحيله إلى مجرد أبله، " لماذا لا يحرّكُ هذا الأبله ساكناً"، وان تجرأت المرأة فالرجولة تقتضي منه التصرّف الفوري، " لو كنتُ مكانه لقامت كرامتي تثأر لنفسها من هذه المتعالية المتغطرسة.. لو كنتُ مكانه لتركتُها ثائرة وأدرتُ ظهري خارجاً دون عودة  فلا بد للرجل في عرف مفاهيمه أنْ يتصرّف فور

المزيد


مع لائحة الاتهام تطول للكاتبة صبيحة شبر \بقلم زياد جيوسي

حزيران 18th, 2007 كتبها زياد جيوسي نشر في , قراءات في نصوص أدبية

 

 

مع "لائحة الاتهام تطول"

للكاتبة: صبيحة شبر

 

   أتيح لي أن تكرمني الزميلة الكاتبة بنسخة من مجموعتها القصصية "لائحة الاتهام تطول"، حيث تكرمت بإرسالها إلى عنوان أسرتي في الأردن، ومن هناك تم إرسالها إليّ بعد تيسر من يحملها بعد شهر وأكثر من الزمان، فكانت رحلة طويلة لوصول كتاب أدبي، ولكنها رحلة تروي معاناتنا هنا في فلسطين المحتلة في الحصول على كتاب.

   في اللحظة الأولى لفت نظري العنوان الذي حملته المجموعة وهو عنوان إحدى القصص التي يضمها الكتاب، ودققت النظر في لوحة الغلاف فوجدت خريطة العراق خضراء لا لون آخر سوى الرافدين دجلة والفرات باللون الأزرق، موضوعة في قفص الاتهام وشجرتي نخيل مخلوعة من الجذور، وملقاة مكسورة تحفها من اليمين واليسار شجرتان أخريتان ما زالتا شامختين كما هو نخيل العراق، هذه اللوحة مع العنوان أثارا بداخلي التساؤلات والمسارعة بالبدء بالقراءة متخطياً عادتي بأن أقرأ حسب تاريخ وصول كتاب ما إلى يدي.

   وكالعادة، بدأت بعد تدقيق الغلاف بالنظر إلى الإهداء الذي يشي بالمعنى الذي تهدف إليه هذه المجموعة فكان "إلى وطني الذي أدين له بكل شيء جميل"، وهذه إشارة واضحة لا تخفى على قارئ، وقد أتيح لي الاطلاع على بعض القراءات ووجهات النظر في هذه المجموعة، فوجدت بعض القصور في فهم ما تريده الكاتبة من خلال نزف قلمها، فالمجموعة تحمل في ثناياها الهم الوطني الكبير وألم الوطن وجرح الوطن من خلال المعاناة، معاناة الوطن الذي أثخنته الجراح ومعاناة البعد والاغتراب الذي طال، ومعاناة المجتمع وأمراضه، فالمؤلفة عراقية المنبت والمحيا، ولكنها تعيش خارج الوطن منذ عام ألف وتسعمائة وتسع وسبعون حين غادرت إلى الكويت، وبعد سنوات إلى المغرب واستقرت هناك.

   وما أن بدأت بالقراءة وبعد عدة قصص حتى أدركت أن لائحة الاتهام تطول، تطال العديد من المتهمين في ثنايا النصوص ما دفعني للمسارعة في القراءة لأطلع على هذا النوع القصص الهادف، الذي يحمل في طياته المعاناة وألم البعد والاغتراب وجرح الوطن النازف، والذي لم يتوقف عن النـزف في حروب متعددة لم تتوقف منذ عام مغادرتها الوطن حتى وقوعه تحت ربقة الاحتلال، والصراع الدموي الذي يجري في داخله فينـزف الدم اليومي، وأصبحت أخبار العثور على عشرات الجثث المشوهة والمغتالة خبراً اعتياديّاً في نشرات الأخبار كل يوم، وأصبحت أخبار العربات المفخخة والتي تفتك بالناس والأسواق والأفراح والجنازات خبراً متكرراً بالكاد تجد لها زاوية في عالم الإعلام.

   وما بين أربع وسبعين صفحة وتسع عشرة قصة تتوزع لائحة الاتهام وتطول، ويزداد النـزف ويكبر حجم الألم ويتفتح الجرح، وسأحاول في هذه القراءة المتواضعة أن أصل إلى تحديد شخصيات المتهمين، والتهم الموجهة إليهم، تاركاً للقارئ الحكم عليهم، وبعد الإطلاع على لائحة الاتهام جمعت كل مجموعة من المتهمين الصغار ضمن المتهم الأكبر، والذي لا تمثل شخصيات المتهمين إلا أجزاء من المتهم الأساس الذي يضمهم في ثناياه،  وقد لفت نظري اقتصار المجموعة على تسع عشرة قصة ! فهل الرقم أتى صدفة مجردة أم مقصودا ؟ أم أنه المخزون التراثي في العقل اللاواعي هو الذي حدد هذا الرقم والمرتبط ارتباطا وثيقا بالمعتقدات الدينية ؟

المتهم الأول.. القدر..

 في قصة "الخطافة" يلعب القدر لعبته في قصة حب وانتظار وحلم لقاء "أيام طويلة تمضي وأنا أمني النفس أنني سألقاك"، "وفجأة وأنا أحلم باللقاء رأيتك إلى جانبي"، هو حلم واستدعاء للذاكرة والطفولة "حكايات الماضي.. حين كنا صغاراً نلهو مع الزمان"، "أتسلق السطوح، أمك وحدها تبقى معنا تغزل باستمرار وكأنها تحوك للناس أحلامهم"، وتستمر الذكريات واستدعاء صورة الحبيب الذي غادر ولم يعد " سأذهب لإكمال دراستي وأعود جديراًَ بك.. يطول بك الغياب وأشعر بالعجز لبعدك، تهجرني إرادتي وأصبح مشلولة أمام قوى تريد اختراقي"، "تأتي من السفر وتهرع لرؤيتي، وإذا بك أمام مخلوقة أخرى ضعيفة مستسلمة"، فيغادر إلى حضن آخر ويأتي القدر على صورة "امرأة ممتلئة في العقد الخامس من العمر"، تصرخ بقوة "لا رجل لك، قصص الحب عندك مبتورة منذ البداية.. هذا الذي جنبك جاء إحياء للذكرى وليس من أجلك"، "تلتفت لي: فرصة أخيرة لك، إنه بعيد ويهواك، اطلعي البحار من أجله وحين تصلين إليه تعيشين ثلاثة أيام في الجنة ثم يتركك إلى العالم الآخر".  من هو الحبيب الذي غادر وتجسد على شكل رجل ؟ هل هو الغياب عن الوطن والبعد، هل هو الوطن الذي يعاني فما أن يعود إليه محبوب حتى يكون ضحية اغتيال أو سيارة موت متفجرة تقف في الزوايا لترسل العشاق إلى العالم الآخر؟ وهذا القدر على شكل امرأة خمسينّية العمر؟ هل هو عمر الدولة الحديث الذي انتهى بالاحتلال ؟ هي تساؤلات لا يمكن التغافل عنها من خلال تداخل المعنى والأهداف في هذا القصص الجميل.

   في "محاولة" نرى عبث القدر مرة أخرى وبشكل آخر، امرأة تقف أمام مرآتها، فتشعر أن "المرآة تضحك مني، تنظر إلي شامتة، تخرج لسانها، تسخر من عجزي واستسلامي"، "وددت لو أفعل شيئاً، أن أنتصر عليها، أحطمها"، وما المرآة هنا إلا قدر يخاطب بطلة القصة: "ابتسمي.. أهربي من سجنك، حطمي قيودك، ثوري على جلاديك، انتصري لمبادئك وقيمك"، فتجيب: "ماذا عساي أن أفعل وأنا غريبة هنا؟ كبر الأبناء وتركوني، فارقت أهلي وأحبابي منذ دهر، ولا أصدقاء لي هنا، أحبابي رحلوا… وأنا لا أجيد السباحة ضد التيار، أصبحت خانعة أرضى بما يبتغونه لي".  إنها عملية استسلام هائلة للقدر، لكنها تقرر أن تقاوم قدرها: "عليّ أن أقهر خنوعي واستسلامي، الإنسان مخلوق قوي، إن تردد يوماًَ فانه يعود للحزم والعزم مرة أخرى… ينبغي أن أتحلّى بإرادتي…"، "أعاود الضحك، تنتصر إرادتي، تنقشع الغيوم السوداء"، تستعين بأغنية لفيروز تقول فيها: " لم لا أحيا وطل الورد يحيا في الشفاه"،   
تنظر في مرآتها "مخلوقة جديدة أمامي، متفائلة، واثقة تحب الحياة، تهزم همومها بالضحك، قادرة على الابتسام".

المتهم الثاني.. المجتمع

   المتهمون نماذج مختلفة وعديدة، وكل أنموذج يلعب دوراً ما في المجتمع، وإن كان الكل يلعب دوره بصورة أو بأخرى باضطهاد المرأة وقمعها وقمع تطلعاتها، ولكني آثرت أن أضع جميع المتهمين تحت خانة المجتمع بغض النظر عن كل جريمة وطبيعتها، ففي النهاية، المجرم هو النظام الاجتماعي بأدواته المختلفة، والجريمة واحدة وإن اختلفت صورها.

   في "استغاثة" نجد أنموذجاً متميزاً من النماذج التي توردها الكاتبة، أنموذج المرأة التي يطلب منها أن تلقي محاضرة عن الحياة الزوجية السعيدة، في الوقت الذي لا تشعر فيه بالسعادة أبداً، فهي وبغض النظر عن مستواها التعليمي المتقدم، ما هي إلا ضحية من ضحايا المجتمع عموماً والمجتمع الذكوري خصوصاً، ولكنها تستغل غياب الذكور والزوج لتتكلم بوضوح وصراحة مشرحة المجتمع العربي بكل ما يعانيه من ازدواجية في التعامل،وبكل ما فيه من الصور المزورة والأقنعة والزيف، وتشير بأصابعها بوضوح إلى المجتمع متهمة إياه، "سأكون صريحة معكن وأتحدث بلا أكاذيب أو اختلاقات، وعندما ترونه مقبلاً أخبرنني كي آخذ حذري وأعود إلى حديثي المرسوم والمقرر، بلا مساواة ولا بطيخ في مجتمعاتنا العربية"، "هراء ما تدعيه بعضكن، هل تزعمن المساواة، أي مساواة تجدنها في الوطن العربي ؟"، "ألا ترون أن علينا معشر النساء واجبات كثيرة؟ وليس لدينا حقوق"، " أجد نفسي هكذا، أنا آلة صماء"، "هراء ما بقينا نسمعه طوال عمرنا المهدود عن دعاوى المساواة"، "لماذا يفرض على المرأة أن تحب من نسيها"، "المرأة العربية تكتسب عادات زوجها وتتخلق بها بمرور الوقت "، ومن ثم تنتقل لتصوير المرأة المقموعة من داخلها "المرأة كالوردة تذبل إن لم يتم إرواؤها"، "حلمت مراراً برجل يحبني ويضمني إليه بحرارة"، "هو القدر، جعلني أبدو هادئة ساكنة، وداخلي يغلي كالمرجل"، "لا شيء غير الحب يبعث الأمل في النفوس"، وفي النهاية بعد تصوير هذه الحالة التي تمثل النساء العربيات، الحالة المقموعة من المجتمع الذكوري، نجدها بمجرد إطلالة الزوج تعود لترتدي القناع المزيف من جديد "إنها حياة حافلة بالنجاحات، زاخرة بالأفراح، عشتها مع توأم روحي"، "نحن زوجان متعاونان في كل أمور الحياة، ناجحان سعيدان.. وشريكي إنسان ذو قلب كبير"، هكذا تعود لارتداء القناع المزيف وتبقى صرختها تهدر في الأذن وفي عيون القراء "لم يعد يراني امرأته، ومن أكون..؟".

   وتتكرر الاتهامات للمجتمع في أكثر من قصة، ففي قصتها "تراجع عن قرار"، نجد

أنموذج آخر لامرأة مضطهدة من المجتمع المتمثل بزوج سكير، وأبناء لا تستطيع أن تتركهم وتنال حريتها "كيف يمكنها أن تتخلص من العبء المرهق وهؤلاء أولادهما المشتركون، ويريدونهما أن يكونا مع بعضهما البعض، طيلة الحياة"، ولكن " لقد حلمتْ مراراً أن تضع حداً للمعاناة المستمرة بلا طائل"، فهي تعاني من زوج "يحرص على نكرانها وإقصائها عن حياته كما أبعدها عن قلبه"، رغم أنه "يقرأ كثيراً، يريد أن يظهر أمام الناس أنه


المزيد


مع سناء لهب ونزف ليلي

أيار 20th, 2007 كتبها زياد جيوسي نشر في , قراءات في نصوص أدبية

مع سناء لهب ونزف ليلي

زياد جيوسي

 

هو النزف ..نتحامل على أنفسنا نهارا عازفين على وتر الحياة لننزف ليلا، هناك حيث سكنات الليل وألم الوحدة، فيكون النزف والألم والوحدة والتوحد، حينها نغني مع الألم وفوضى الحواس، ننتظر قطارا لن يعود ونبقى في محطة ملت الانتظار..

نحن الذين بلا وطن ولا سماء نبحث عن الواحة في الصحراء القاحلة، بعد طول التجوال في المرافئ والبحار على زورق تتقاذفه الريح وتلاطمه الأمواج، يقتلنا البرد والريح وتأكلنا العتمة، نهتدي بنجم ضائع في السماء ولا نمل من البحث والتجوال.

حين نعثر على شاطئنا وتظلنا شجيرات الأثل وتضمنا الواحة ونغفو، نرتاح ونحيا على الأمل والحب، فنحرق المركب الذي حملنا معتمدين على واحة حب ظننا ستظلنا أبدا..فنقع في فخ الحب نتساقط قطرا، فننسى الإبحار والبحار ولا نرى إلا حوريات بحر تتراقص طربا وجنيات الليل تحمل قيثارات تعزف عليها فوق الغيوم، فنطير إلى عالم قمري جميل نستظل فيه هناك تحت ياسمينة قمرية حيث التقت المجرات..

نغمض عيوننا وأسماعنا فلا نستمع لصوت القطار القادم من البعيد، فيحمل الشوق معه إلى محطة أخرى أو إلى رحلة بعيدة، فنبقى على وهم الانتظار نفترش محطة القطار متلفعين بالغيوم، مستدفئين على وهج النجوم لا نحمل معنا إلا فنجان قهوة ولفافة تبغ تحرقنا كما نحرقها، وسِفر خططناه آهات ودموع أشواق، ونبقى على رصيف المحطة ننتظر وننتظر، دون أن ننتبه أن القطار باتجاه واحد لا يعود ولا يعرف طريق العودة.

دون أن ننتبه أن بائع البطاقات قد دمغ بطاقة الرحيل بعبارة "اتجاه واحد".

ننسى أو نتناسى أن الحب قد رحل حاملا معه ما قد مضى، نضحك على أنفسنا ونصر على الانتظار، والمسافر قد الصق وجهه على بلور القطار مستمتعا ببرودته لعلها تطفئ بداخله بقايا جذوة من نار، بقيت في تلافيف الذاكرة حين قرر الرحيل، ناظرا باتجاه يتناسب مع مسيرة القطار باتجاه واحد، قد يبقى في القطار وقد يصيبه الملل، فينزل ليستريح في محطة أخرى وواحة أخرى ليعاود المسير، فبطاقة القطار ذات الاتجاه الواحد ما زالت سارية المفعول.

أما نحن..فنبقى في المحطة ننتظر، وحين يضمنا الليل ننزف من جديد، نشعر بالبرد يجتاحنا فنحن بلا وطن بلا حبيب، فنشرب الليل خمرا معتقا بكافة تلاوين الزمان، يشدنا القهر ألما وذكرى لأسطورة لا تتكرر في زمن الغريب، فلا تهدأ لنا أشواق ولا تنطفئ نيران، نركض على الشاطئ المهجور حيث كان اللقاء أول مرة، فنجد الحوريات الليلية قد حطمت القيثارات وغادرت الشاطئ، نحاول أن ننزل البحر من جديد فتلطمنا أموا

المزيد


مساء ريتا ونبال شمس

أغسطس 22nd, 2006 كتبها زياد جيوسي نشر في , قراءات في نصوص أدبية

مساء ريتا ونبال شمس

زياد جيوسي

المساء…إنتظار العشاق والهامسين والباحثين عن رفيق يؤانس الوحدة والتوحد، العزف على أشجان الروح ترانيم جميلة تداعب أوتار النفس الشفافة، فإنتظار المساء سمة مشتركة في نفوس الكتاب والشعراء، هناك في ظلام الليل وسكون الطبيعة ومع إشتعال شمعة ونغمات موسيقى يكون التجرد من كل الأقنعة والجلوس مع الذات ..

لكن المساء لا يحمل دوما رغبات الصباح وتوجهاته، فللمساء سحره ومكنوناته الخاصة فيه والتي قد تفاجئ الباحث عن المساء.

كنت أسائل نفسي دوما لما المساء ؟؟

ربما لأني من عشاق الفجر

لكن بمقارنة التعايش بين الفجر والمساء لمست كم للأمسيات من سحر..

وفي مساء النص المرفق كان مساء يحتوي على رغبات الصباح وتخطيطه، مساء يحمل كل الحلم بمساء متميز ..الممنوع والمسموح والصلاة السرية في محراب الذات والتوحد، رفقة تشيكوف وبوشكين وممارسة طقوس الهدوء.

لكنه مساء إفتقد الذات وهربت النفس فضاعت الحروف في الكتب، وجن الضباب فاندفع مغطيا سكون الليل ونغمات الموسيقى وبقيت النفس بعيدة في عالم آخر..عالم ريتا..ريتا الطفلة الصغيرة التي مثلت نموذجا لحالة خاصة من الأطفال، حالة من الآف الحالات التي تعيش بيننا ولكن الكثيرين لا ينظرون اليها الا نظرات الرثاء أو التجاهل.

لماذا كانت ريتا حالة متميزة في النص حتى تتمكن من أن تثير التساؤل؟؟

وما الفارق بينها وبين كل أطفال هذه المدرسة التي تحتوي في جنباتها هذه الحالات الخاصة من الأطفال

النص لم يعط إجابة ولكنه ترك المجال للقارئ للتخيل

ربما لأن باقي الأطفال كانوا يعيشوا بصخبهم بين واع وغير واع

ربما لأن الأطفال كانوا يمتلكون صخب الأطفال ومشاكستهم بعيدا عن ظروفهم الخاصة

أتخيل ريتا

طفلة صامتة هادئة

ذات شعر كستنائي وعيون ملونة

لربما كان بعض من النمش على وجنتيها

لكن ريتا هادئة صامتة

لا تدرك ما يدور حولها ولا تعيه فهي من عالم آخر وتحيا بعالم آخر، جسدها في عالمنا وروحها في عالم آخر لا يمكنه إستيعاب حجم الألم في عالمنا.

ربما ريتا جاءت روحها من كون آخر وحلت بجسد من عالمنا، لكنها آثرت الغياب عن هذا العالم ومآسيه وآلامه

لذا كان لروح ريتا الغامضة الصامتة تأثيرها

فكان مساء ليس كمساءات البشر

كان مساء ريتا

فلنحاول الدخول إلى هذا المساء

قد لا تفهم ريتا ما تكتبين

لكني سأحاول أن أفهم

وعذرا سيدتي كاتبة النص لإقتحامي مساءك والدعوة لإقتحام هذا المساء.

****

ريتا

نبال شمس

عندما يأتي المساء وينام الأطفال في قريتي سأتسلل إلى مكتبتي

واكتب كلماتي. كل يوم أقول هذا في نفسي.عندما يأتي المساء سأعزف سيمفونية عذبه

جميله اسميها هروب. هروب, مؤقت من حاضري..كم احبك أيها المساء كم أحب سوادك الهادئ الذي يبعث في نفسي الراحة

عندما انهض في الصباح أقول في نفسي هذا المساء سوف اكتب ما عندي

. اذهب للعمل فأعيد كلماتي. أعود وانتظر المساء. لكن مسائي لا يأتي وسمفونيتي ما زالت بلا سلم موسيقي

متى ستأتي أيها المساء الذي ابحث به عنك؟

عندما يأتي المساء سأتسلل إلى مكتبتي أمارس طقوس الهدوء ابحث عن

ليل يحويني وصمت أغوص في داخله.

عندما يأتي المساء سأقرأ الممنوع والمسموح, سأمارس صلاة لا يعرفها

المزيد


ترانيم لأميرة السراب

أغسطس 8th, 2006 كتبها زياد جيوسي نشر في , قراءات في نصوص أدبية

ترانيم لأميرة السراب

الدكتور هاني الحروب

 

-      تقديم –

زياد جيوسي

 

كيف يمكن لي أن أخوض بهذا البحر الكبير من الجمال بدون زورق ؟؟

فقد أحرقت زورقي منذ زمن على شاطئ مهجور بعد أن بلغت مرفأي وإستلقيت تحت شجيرات من الأثل تحرسها حوريات البحر، ولذا سأحاول السباحة في هذا اليم  ترشدني سمكة صغيرة أجادت العوم بجوار حوت  وخبرت البحار، علها تدلني كيف التقط الدر من أعماق هذا البحر.

كيف يمكن لي أن أكتب عما خطه صديقي هاني دون أن أبدو متحيزاً بشكل أو بآخر.. ليس لهاني !! بل لنفسي .. فهاني جزء منها …

   عرفنا الجميع كأصدقاء توأم .. بالكاد نفترق .. ما أن يبدأ العمل صباحاً.. إن لم يزر واحد منا الآخر، إلا والهاتف يكون صلة وصل ، وما أن ينتهي عملنا إلا ونكون قد تجمعنا سوياً نمارس الرياضة ، نعود بعدها لنتناول طعامنا ونبقى معاً حتى يذهب لبيته وأعود أنا لصومعتي .. لنكون على وعد بلقاء جديد …

   لذا كان الخوض بهمسات هاني صعباً عليّ ، حتى أني كنت أتجنب التعليق عما يكتب حين يتم نشره ، كنت أشعر دوماً أن أي دخول لهذا المعبد وإبداء ملاحظات عليه ، سيكون مساساً بعبادة نمارسها سويا ً، فلقد عايشت هذه الهمسات وشهقات النفس وأنات الروح بكل أجزائها …

   ومع هذا أجد نفسي ملزماً بالحديث والبوح ، فأنا لا أمتلك أن أقول : لا… أمام رغبة صديقي في أن أكون من يقدم كتابه ويعرّف به ، وبالتأكيد كنت لن أقبل أن يكون غيري أيضاً …

بداية لا بد من الخوض باسم الكتاب … ترانيم لأميرة السراب .. كلمات هاني هي ترانيم وتراتيل في بحر هوى النفس .. وأميرة هاني تستحق المزيد من هذه الصلوات والترانيم … ولا يكفي .. فهي أميرة حقاً .. هي الموجودة رمزاً لكل جميل .. الأم ، الابنة ، الزوجة ، الحبيبة ، الأرض ، التاريخ .. كل شيء بهذه النفس التي تنير نوراً وشفافية .. أما لماذا السراب ؟؟؟ هنا كان تساؤلي , فالسراب نتوهمه ولا نصله .. أم أراد هاني أن يكني الحلم الذي نحلم بالسراب .. لأنه بعيد المنال ؟؟؟.

   أما تسميات الأجزاء فهذه مسألة أخرى .. فالجزء الأول صعلوكيات والجزء الثاني هرديبيات والجزء الثالث مهرانيات والرابع والأخير عتريسيات .. وكل إسم منها لم يتأت من فراغ … فالصعلكة قد شكلت عبر التاريخ العربي نقطة مضيئة في تحدي طقوس التخلف والظلم ، والإنصياع والتبعية للسلطة المطلقة لشيخ القبيلة ، فالصعاليك كانوا أصحاب فروسية وشعر مرهف .. تحدوا الواقع الداكن الظالم ونذروا أنفسهم في سبيل الحرية ونصرة المظلوم ، ومن هنا نجد الكاتب قد إستعار هذه الشخصية التاريخية الشجاعة المرهفة المختلطة بالفروسية النادرة لتؤدي نفس الغرض لتكون الروح والنفس المرهفة والكلمة المقاومة في وجه إحتلال ظالم قاس يجتث يومياً الأرض والشجر والإنسان .

   أما هرديبيات فهو مصطلح أوجدته معاناة الكاتب عبر رحلة طويلة ما بين إحتلال وشتات ومقاومة فعل وكلمة ، فأصبحت الهرديبية هنا ذروة الصعلكة بمفهومها الإنساني ومعانيها الجميلة ، لذا سنلمس تغيراً واضحاً بنمط الكتابة والروح فيها بين جزء وآخر .. هذا التغير الذي تلمسه كل نفس شفافة وحساسة .

   مهرانيات .. بالنسبة  لي هي  ذروة التألق لهاني .. فهي ترمز لشخصية هاني بكل وضوح .. هو إسم حمله في فترة معينة من حياته، كان فيها المقاوم والكاتب والعاشق والصعلوك والهرديب .. كان بوتقة من عنفوان الشباب وشجاعتهم وصلابتهم .. شجاعة الفارس ورفض الظلم وخير من وقف وقال لا مدوية في وجه شيخ القبيلة .. كان مستعداً في لحظتها ليستل سيفه لولا تراجع الشيخ و( فزعة ) أبناء القبيلة لكي لا يداس الشيخ أمام الصغار …

   أما عتريسيات فهي الحكيم الشاهد على الحدث .. هي روح محلقة تبحث عن الماضي وتعيش الواقع وتصر أن الحلم أجمل ما نملك ، وأن الحلم هو بوابة لمستقبل أجمل وأبهى ..

صعلوكيات ..   هاني المتخم بالعشق إلى درجة الثمالة ، تجده بروحه بين ثنايا كلماته وشفافية حروفه  رغم قصور اللغة في التعبير عن الإنسان في داخله .. ( ساعديني كثيراً كي أظل كما أنا .. وقربي وجهي لكي يسيل راحة كما كنا ) .. بلحظة إنهزام ثانية يهمس هاني هكذا في مستهل وجدانياته ، ( فهل للزهور الذابلة في الأمس من إنبعاث ؟؟ ) .. هكذا يقودنا في صعلوكياته الوجدانية المرهفة الحس .. حتى تعانق الأهداب منا مكنون الفؤاد …

   ويواصل السير بنا من الشعور بالهزيمة إلى العشق المطلق .. ( .. وأعلن في  المدى  حبك !! وأتوج رأسك أو هامتك الجميلة بتاج العشق المضمخ بلون القمر ورائحة القرنفل ونكهة الزعتر.. ) ..  ومن منا لا يعرف الزعتر وإرتباطه بفلسطينيتنا ؟؟؟.

   فنجده يذوب عشقاً ويذوب أكثر ويضيع بين تلاطم  أمواج القلب وإعصار الوجد ..  وتبقى المحبوبة هي الإستثناء .. هذه المحبوبة التي تمثل كل حلم وسراب بعيد المنال ،  فيفتح النافذة لعصفور الذاكرة وخدوش الروح  واحة حنان للروح الثائرة التي تستحث النفس لتستظل بخصلة شعر ورموش عينين ، لتكون أما وصديقة .. يتصبب من بين عينيها صهيلاً زيتونياً يتدفق بركة وخضرة وخيطاً يتلألأ واصلاً الفؤاد بالروح ، يسعى لأن يكون إنساناً تهزه المشاعر والأحاسيس الإنسانية الجميلة ، فيسيل مع الحبيبة برداً وسلاماً على يقظة جمر يتلظى، يرتب للأحلام سريراً ينجب إشراقاً وإمتداداً للغد الذي يحلم ..  فيسترجع صدى النايات حزناً وألماً منتظراً نسمات طيف متضوعة كهبات من شذا وعطر ممزوج بخفقات القلب وذبالة الروح .. يناديها تعالي نعيد معاً ترتيب نجوم السماء المبعثرة .. وامسحي بيدك على خد القمر ربما سيضيء من جديد عتمة سراديب ليلي ويصنع لي تباشير الغسق .

   لكن أنات الفراق والرحيل والبعد تبقى تلوح من بين ثنايا الحروف وزفرات روح يسكبها آهات حب وعشق، فيخاطب الفكرة ( يا امرأة ذهبت قبل الأوان ولم تعد بعد .. والحنين إليها يقطر حباً معشقاً بالوله والعنبر .. والقلب تتقد مواقده والرحيل يستلب التفكير تركيزه  ويذكي نار الجوى ، فيصبح أنقى وطيفك أجمل .. متى تعودين بروعتك الممشوقة ) .. إنه هاجس اللحظة التي أنتزع فيها من حضنها المعبق بنكهة الزعتر وحلم اللقاء من جديد ليولد مرة أخرى من بين رحى الشجن .. عذوبة وعشقاً .. زاداً أبدياً .. فيتوه بين لغة العقل وهمس الفؤاد ، مبقيها وشماً أبدياً في نياط القلب ولوعة ودمعة في العين ، سادراً في صمت أوجع من الألم وبؤس العمر مهديها ما تبقى من عمر على كف الندى وعهداً أن لا يتوب عن عشقها حتى الموت ، رغم أنه عشق يجرعه كأس الهزيمة في كل لحظة وهو الصعلوك المتمرد المتمثل بداخله الإلتزام والمبدأ وحب الوطن .

   متوضئاً بالندى وفجراً يدب رقراقاً في أوصال الهوى وموجة عشق على شفتين وفي لحظ عينين يستعر جمراً وشوقاً ، فيحمل في داخله الحزن والجوى ويحدق فيها حلماً وسهداً وقدراً .. لتكون نور ظلامه وفانوس كينونته ، فيفيض شوقاً لوطن يسكنه مسيجاً بحقد الغاصبين ، فتتمازج الحبيبة بالوطن كطعم الحب ونكهة الزهر ا

المزيد


زياد خداش في نصوصه خذيني إلى موتي

أغسطس 2nd, 2006 كتبها زياد جيوسي نشر في , قراءات في نصوص أدبية

زياد خداش في نصوصه

خذيني إلى موتي

بقلم…. زياد جيوسي

من الصفحة الأولى شدتني نصوص خداش، شعرت بها تخدش بوحشية عالمنا الذي نحياه، بقسوة وعنف غير مسبوقين ، صراع بين عالمين..عالم العقل وعالم اللاعقل، عالم المعقول وعالم اللامعقول، بشخوص متمردة على كل ماهو

مألوف، تفجر تساؤلات تحتمل مئات الإجابات أو عدم إمكانية الإجابة، شخوص تنتهك كل الأعراف والتقاليد، نصوص تمثل هزة غير مألوفة.. إنها تفجير لجدل لم المسه في القصة الفلسطينية سابقا.

فبدء من إهدائه إليّ ( أهديك رعشاتي وانفجاراتي، أهديك اعترافاتي )، وصولا إلى إهدائه الرسمي ( إليها تلك العالية هناك في مدينة الشعر والموت، التي حثتني باستمرار على أن اكتب كتابا جديدا، وهددت بغياب إن لم افعل ).. مرورا بنصوص شخوصه المتمردة على مدى ثمانين صفحة من القطع المتوسط وخمسة عشر نصا.

أثارني  إهداؤه لي لأقرأ اعترافاته التي يخفيها وأثار فضولي إهداؤه لها، لأعرف من هذه التي خضع لها خداش المتمرد فكتب بوحشية الوصف الذي لم اعهد ه به ممزقا عالم نحيا به، بحيث بلغ بي الفضول أن أجول بناظري، كلما دخلت موقعا من المواقع التي يجلس بها من لهم علاقة بالأدب والثقافة أو مركزا من المراكز الثقافية، لعلي أرى تلك المجهولة تخرج الكتاب من حقيبتها.. ( تعيره للزملاء والأصدقاء والجيران، هامسة بخبث جميل: هذا كتاب جيد فاقرؤوه..) .

شدني زياد بعنف وقوة وأنا اقرأ نصه ( شتاء في قميص رجل )، وكنت قد قرأتها سابقا في إحدى المجموعات الأدبية عبر الشبكة العنكبوتية، ونويت أن اعلق عليها ولكني نسيت بأي موقع قرأتها، وحاولت الاتصال به هاتفيا لأحصل عليها ولكن كعادته الفوضوية التي لا يغيرها، كان قد غير رقم هاتفه.

أعادني في نصه هذا إلى أيام الطفولة.. ( المكان في الخارج يجيش بالذكريات والأحلام والأسرار)، كان يصف مكانا اعرفه جيدا كنا نلعب به صغارا، مكان أقيمت فيه مغتصبة على تل مشرف شاهق على أراضي رام الله والبيرة، صدمت حين عدت للوطن ورأيتها قلعة على أعلى تل، مدججة بالسلاح وفوهات المدافع مزينة قلاعها بالقرميد الأحمر، تخرج لسانها لنا جميعا قائلة لي بالذات: لن اسمح لك أن تستعيد ذكريات طفولتك هنا.

( هناك ينبغي أن أتواجد صباح كل يوم، أنيق الملابس).. مشكلة تواجه زياد بطل النص الذي لا يختلف عن زياد كاتب النص، وهو في حصته الأولى في مدرسة جديدة بعيدا عن عبثية الرصيف التي يعشقها، بعيدا عن غربته عما حوله،( صوت الماء وهو يهدر في الماسورة الضخمة صاعدا إلى المستوطنة، قادما من مكان لا اعرفه )، سامحك الله!! انه ينبثق من قلوبنا المزروعة في هذه الأرض فهي ماؤها وملحها.

( شعر اسود، شامة سمراء صغيرة على ذقنها).. تتدافع الذكريات, تتدفق فلا يمتلك زياد إلا أن يهرب، يهرب إلى المكان الوحيد الذي لا يشعر

فيه بغربته واغترابه عما حوله، إلى حيث يمكن أن يهرب مثقف مغترب عما حوله.. ( أهرب إلى المكتبة، أغلق الباب خلفي، أغلق بوابة العالم، كفأر بائس، مطارد ووحيد).

هيفاء التي رحلت بعيدا ككل شخوص النصوص التي بين يدي، إما ذاهبة إلى البعيد وإما قادمة من البعيد، تقول له ( أما أنت يا زياد فلا أحب أن ألمس شعرك، لأنه يشبه دخولي حافية القدمين في حقل شوك )، مما يزيد من اغترابه ونزع نفسه من عالم يحيا به إلى عالم يريد أن يحيا به، ويستمر زياد بحياته حاملا حقل الشوك على رأسه ووخزات الشوك في قلبه، توقظها تلك الطالبة الصغيرة التي لم تكن… سوى ابنة هيفاء التي رحلت بعيدا..

وتستمر بنا النصوص في رحلة الاغتراب، وأواصل السير مع زياد في (الطيون والجنود وأنا )، حيث يختار احتمالات ميتة غريبة ولكن باستكانة غير مألوفة واستسلام غريب، مختطفا من جنود العدو منتظرا أن يطلق المقاومون النار على الجنود الكامنين بين وريقات الطيون وجذوره، ( هذا الطريق لا أمر منه دائما، أفعل ذلك حين تجتاحني رغبة في شم طيون الجبل)، كدت احسده على هذه الميتة بين أريج الطيون، ما أجمل رائحة الطيون..( حبيبتي في مراهقتي، كانت تطلب مني حين أطلب منها قبلة سريعة، أن احضر لها مئة ورقة طيون).

وكما هو اغتراب شخوصه، تذهب حبيبته بعيدا.. ( سحر يا حبيبتي التي ذهبت إلى الله منتحرة ومبكرة، حزنا على أمها ), التي كانت تغلي لها أوراق الطيون لتدهن جسمها به، في وصفة شعبية لمقاومة السرطان.

وان كان الاغتراب اغتراب عن النفس، اغتراب عن الحبيبة، اغتراب عن الصديقة يمر تلميحا فيما سبق، إلا انه يصرح به علنا في ( بعينين باردتين )، حين يقول ( أحيانا افقد الإحساس الطبيعي بالأشياء، أراني غريبا عن مدينتي، غير مبال بصرخاتها ).

يمارس هذه الغربة عندما تبدأ دبابات الأعداء وجحافلهم، بحصار المدينة تمهيدا لاجتياحها، فيطلب من( صديقة قديمة من مدينة بعيده), أن تمارس لعبة الحب معه، ويمارسانه بأجواء غريبة على طاولة المدير الصارم، ( كنت أنا أجهش بالاغتراب، لم تكن حبيبتي، لم أكن حبيبها ).

في ظل الخوف واجتياح المدينة من الأعداء، يبقى الاغتراب سيد الموقف حتى بالحب ( روعة الجنس تأتي من أمكنته الغريبة والخطيرة، خلف جدار مصنع، على مكتب مدير صارم ومهم، بجانب مزبلة بعيدة لقرية نائية، في صف مدرسة مبتل بالطباشير، وضجر التلاميذ أثناء الاستراحة، بينما ضجيج الطلاب يشكل خلفية رائعة لشهقاتنا).

يستمر فقدان الإحساس الطبيعي بالأشياء يؤكد غربته عن المدينة بتلك اللحظات الصعبة، ( صيحات أمهات حزينة تنفجر بالجوار، سيارات الإسعاف تزعق…ورغبة كبيرة تتنامى رويدا رويدا بالهرب من كل شيء ).

تبقى شخوص زياد تفتقد الإحساس الطبيعي بما يدور حولها، وتتمثل الصورة بوضوح في ( جنون القمر )، عند الشابة القادمة أيضا من مدينة بعيده حيث تتناسى الموت المقترب منها بصوت دبابة تقترب من منزلها، واطلاقات النار المستمرة فتنسجم مع نفسها تحت تسلل ضوء القمر فتتعرى.. وتنسجم مع ذاتها وجسدها للوصول للنشوة، ( هي الآن غريقة أنفاسها وحشرجات ستارتها )، بينما الموت يحيق بشاب يختبىء خلف نافذتها ( يطلق الشاب شهقته الأولى، مستعدا للذهاب إلى جنته الموعودة )، وهي تتلقى قصف منزلها وقذائف موتها ( تنزف وباءا وهياما وفوضى ).

وفي ( حشرة عمياء يقودها طفل)، يستمر الشعور بالاغتراب وإحساس المرأة بجسدها فقط ،  حتى مع نسمات الهواء في يوم قائظ، فها هي امرأة غريبة وبالتأكيد قادمة من بعيد، لأنها تسكن في نزل وتقف على الشرفة، ( تواصل المرأة لملمة خصلاتها، أرى فمها يتحرك،, هل كانت تشكر الهواء أم تغني له ؟؟ أم كانت تمارس معه الحب ؟؟ )، ويمارس هو اغترابه عن واقع تحياه المدينة، بالشماتة من سلطة اصبحت عمياء يقودها طفل، مثّلها بحارس الجامعة الذي يطارده حتى بالحلم سائلا عن بطاقته..

وفي نصه ( حكاي

المزيد