زياد خداش في نصوصه
خذيني إلى موتي
بقلم…. زياد جيوسي
من الصفحة الأولى شدتني نصوص خداش، شعرت بها تخدش بوحشية عالمنا الذي نحياه، بقسوة وعنف غير مسبوقين ، صراع بين عالمين..عالم العقل وعالم اللاعقل، عالم المعقول وعالم اللامعقول، بشخوص متمردة على كل ماهو
مألوف، تفجر تساؤلات تحتمل مئات الإجابات أو عدم إمكانية الإجابة، شخوص تنتهك كل الأعراف والتقاليد، نصوص تمثل هزة غير مألوفة.. إنها تفجير لجدل لم المسه في القصة الفلسطينية سابقا.
فبدء من إهدائه إليّ ( أهديك رعشاتي وانفجاراتي، أهديك اعترافاتي )، وصولا إلى إهدائه الرسمي ( إليها تلك العالية هناك في مدينة الشعر والموت، التي حثتني باستمرار على أن اكتب كتابا جديدا، وهددت بغياب إن لم افعل ).. مرورا بنصوص شخوصه المتمردة على مدى ثمانين صفحة من القطع المتوسط وخمسة عشر نصا.
أثارني إهداؤه لي لأقرأ اعترافاته التي يخفيها وأثار فضولي إهداؤه لها، لأعرف من هذه التي خضع لها خداش المتمرد فكتب بوحشية الوصف الذي لم اعهد ه به ممزقا عالم نحيا به، بحيث بلغ بي الفضول أن أجول بناظري، كلما دخلت موقعا من المواقع التي يجلس بها من لهم علاقة بالأدب والثقافة أو مركزا من المراكز الثقافية، لعلي أرى تلك المجهولة تخرج الكتاب من حقيبتها.. ( تعيره للزملاء والأصدقاء والجيران، هامسة بخبث جميل: هذا كتاب جيد فاقرؤوه..) .
شدني زياد بعنف وقوة وأنا اقرأ نصه ( شتاء في قميص رجل )، وكنت قد قرأتها سابقا في إحدى المجموعات الأدبية عبر الشبكة العنكبوتية، ونويت أن اعلق عليها ولكني نسيت بأي موقع قرأتها، وحاولت الاتصال به هاتفيا لأحصل عليها ولكن كعادته الفوضوية التي لا يغيرها، كان قد غير رقم هاتفه.
أعادني في نصه هذا إلى أيام الطفولة.. ( المكان في الخارج يجيش بالذكريات والأحلام والأسرار)، كان يصف مكانا اعرفه جيدا كنا نلعب به صغارا، مكان أقيمت فيه مغتصبة على تل مشرف شاهق على أراضي رام الله والبيرة، صدمت حين عدت للوطن ورأيتها قلعة على أعلى تل، مدججة بالسلاح وفوهات المدافع مزينة قلاعها بالقرميد الأحمر، تخرج لسانها لنا جميعا قائلة لي بالذات: لن اسمح لك أن تستعيد ذكريات طفولتك هنا.
( هناك ينبغي أن أتواجد صباح كل يوم، أنيق الملابس).. مشكلة تواجه زياد بطل النص الذي لا يختلف عن زياد كاتب النص، وهو في حصته الأولى في مدرسة جديدة بعيدا عن عبثية الرصيف التي يعشقها، بعيدا عن غربته عما حوله،( صوت الماء وهو يهدر في الماسورة الضخمة صاعدا إلى المستوطنة، قادما من مكان لا اعرفه )، سامحك الله!! انه ينبثق من قلوبنا المزروعة في هذه الأرض فهي ماؤها وملحها.
( شعر اسود، شامة سمراء صغيرة على ذقنها).. تتدافع الذكريات, تتدفق فلا يمتلك زياد إلا أن يهرب، يهرب إلى المكان الوحيد الذي لا يشعر
فيه بغربته واغترابه عما حوله، إلى حيث يمكن أن يهرب مثقف مغترب عما حوله.. ( أهرب إلى المكتبة، أغلق الباب خلفي، أغلق بوابة العالم، كفأر بائس، مطارد ووحيد).
هيفاء التي رحلت بعيدا ككل شخوص النصوص التي بين يدي، إما ذاهبة إلى البعيد وإما قادمة من البعيد، تقول له ( أما أنت يا زياد فلا أحب أن ألمس شعرك، لأنه يشبه دخولي حافية القدمين في حقل شوك )، مما يزيد من اغترابه ونزع نفسه من عالم يحيا به إلى عالم يريد أن يحيا به، ويستمر زياد بحياته حاملا حقل الشوك على رأسه ووخزات الشوك في قلبه، توقظها تلك الطالبة الصغيرة التي لم تكن… سوى ابنة هيفاء التي رحلت بعيدا..
وتستمر بنا النصوص في رحلة الاغتراب، وأواصل السير مع زياد في (الطيون والجنود وأنا )، حيث يختار احتمالات ميتة غريبة ولكن باستكانة غير مألوفة واستسلام غريب، مختطفا من جنود العدو منتظرا أن يطلق المقاومون النار على الجنود الكامنين بين وريقات الطيون وجذوره، ( هذا الطريق لا أمر منه دائما، أفعل ذلك حين تجتاحني رغبة في شم طيون الجبل)، كدت احسده على هذه الميتة بين أريج الطيون، ما أجمل رائحة الطيون..( حبيبتي في مراهقتي، كانت تطلب مني حين أطلب منها قبلة سريعة، أن احضر لها مئة ورقة طيون).
وكما هو اغتراب شخوصه، تذهب حبيبته بعيدا.. ( سحر يا حبيبتي التي ذهبت إلى الله منتحرة ومبكرة، حزنا على أمها ), التي كانت تغلي لها أوراق الطيون لتدهن جسمها به، في وصفة شعبية لمقاومة السرطان.
وان كان الاغتراب اغتراب عن النفس، اغتراب عن الحبيبة، اغتراب عن الصديقة يمر تلميحا فيما سبق، إلا انه يصرح به علنا في ( بعينين باردتين )، حين يقول ( أحيانا افقد الإحساس الطبيعي بالأشياء، أراني غريبا عن مدينتي، غير مبال بصرخاتها ).
يمارس هذه الغربة عندما تبدأ دبابات الأعداء وجحافلهم، بحصار المدينة تمهيدا لاجتياحها، فيطلب من( صديقة قديمة من مدينة بعيده), أن تمارس لعبة الحب معه، ويمارسانه بأجواء غريبة على طاولة المدير الصارم، ( كنت أنا أجهش بالاغتراب، لم تكن حبيبتي، لم أكن حبيبها ).
في ظل الخوف واجتياح المدينة من الأعداء، يبقى الاغتراب سيد الموقف حتى بالحب ( روعة الجنس تأتي من أمكنته الغريبة والخطيرة، خلف جدار مصنع، على مكتب مدير صارم ومهم، بجانب مزبلة بعيدة لقرية نائية، في صف مدرسة مبتل بالطباشير، وضجر التلاميذ أثناء الاستراحة، بينما ضجيج الطلاب يشكل خلفية رائعة لشهقاتنا).
يستمر فقدان الإحساس الطبيعي بالأشياء يؤكد غربته عن المدينة بتلك اللحظات الصعبة، ( صيحات أمهات حزينة تنفجر بالجوار، سيارات الإسعاف تزعق…ورغبة كبيرة تتنامى رويدا رويدا بالهرب من كل شيء ).
تبقى شخوص زياد تفتقد الإحساس الطبيعي بما يدور حولها، وتتمثل الصورة بوضوح في ( جنون القمر )، عند الشابة القادمة أيضا من مدينة بعيده حيث تتناسى الموت المقترب منها بصوت دبابة تقترب من منزلها، واطلاقات النار المستمرة فتنسجم مع نفسها تحت تسلل ضوء القمر فتتعرى.. وتنسجم مع ذاتها وجسدها للوصول للنشوة، ( هي الآن غريقة أنفاسها وحشرجات ستارتها )، بينما الموت يحيق بشاب يختبىء خلف نافذتها ( يطلق الشاب شهقته الأولى، مستعدا للذهاب إلى جنته الموعودة )، وهي تتلقى قصف منزلها وقذائف موتها ( تنزف وباءا وهياما وفوضى ).
وفي ( حشرة عمياء يقودها طفل)، يستمر الشعور بالاغتراب وإحساس المرأة بجسدها فقط ، حتى مع نسمات الهواء في يوم قائظ، فها هي امرأة غريبة وبالتأكيد قادمة من بعيد، لأنها تسكن في نزل وتقف على الشرفة، ( تواصل المرأة لملمة خصلاتها، أرى فمها يتحرك،, هل كانت تشكر الهواء أم تغني له ؟؟ أم كانت تمارس معه الحب ؟؟ )، ويمارس هو اغترابه عن واقع تحياه المدينة، بالشماتة من سلطة اصبحت عمياء يقودها طفل، مثّلها بحارس الجامعة الذي يطارده حتى بالحلم سائلا عن بطاقته..
وفي نصه ( حكاي
المزيد